
”المعرفة ليست بريئة. إنها مشبعة بالقوة، وتُستخدم دوماً في خدمة أو مقاومة الهيمنة.“– إدوارد سعيد، الاستشراق
في زمن الانهيار السوداني الراهن، يبدو هذا القول أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. فالكلمات لم تعد مجرد أوعية للمعنى، بل أسلحة في معركة الوجود ذاتها: تُسخَّر لتبرير الحصار، أو لتطبيع المجازر، أو لتصنيع قداسة سياسية زائفة حول تحالفات ملطخة بالدم. هنا، يصبح الخطاب المموَّه أخطر من الرصاص، لأنه يهيّئ الأرضية الأخلاقية والرمزية لجرائم تُرتكب باسم الحياد أو الواقعية السياسية.
منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، دخلت القوى المدنية في حالة ارتباك سياسي انعكست على مواقفها وأدى إلى انتاج صراع مرير على التمثيل والمشروعية. وقد برز تحالف صمود / تقدم سابقا، بقيادة د. عبد الله حمدوك – رئيس الوزراء السوداني الاسبق المقيم حالياً في الإمارات العربية المتحدة منذ استقالته في يناير 2022- كواحد من أبرز تجليات هذا الارتباك. فقد نشأ التحالف ككيان يدَّعي تمثيل ضمير الثورة، ويتبنى خطاباً نظرياً يدعو إلى الحياد، لكن التمحيص في خطابه وممارساته يكشف عن انحياز فعلي صارخ لميليشيا الدعم السريع، وعن مساهمة موضوعية في إعادة إنتاج شروط الحرب بدلاً من العمل على تجاوزها.
محاولة الهيمنة عبر الخطاب السياسي
بحسب غرامشي في أن الهيمنة ليست مجرد سيطرة بالقوة، بل هي أيضاً إعادة إنتاج للمعنى وتقديم تفسيرات بديلة للواقع تجعل الانحياز يبدو وكأنه حياد. ومن هذا المنظور يمكن النظر إلى إعلان أديس أبابا (يناير 2024) الذي وقَّعه حمدوك مع حميدتي قائد ميليشيا قوات الدعم السريع. فالنص، وإن حوى عبارات حول “وقف الحرب وحماية المدنيين”، فإن نتائجه العملية كشفت عن منح شرعية سياسية لتشكيل إدارات مدنية شاركت فيها تنظيمات تحالف حمدوك تحت سيطرة ميليشيا متورطة في جرائم إبادة جماعية. ومهد ذلك لاحقاً لتشكيل تحالف تأسيس، الذي خرج من رحم تحالف حمدوك ليدعم صراحة فكرة تشكيل حكومة تابعة للدعم السريع. وهو تحوُّل لم يقتصر على التعامل مع المليشيا كشريك سياسي بل تحويلها إلى قيادة سياسية.
لم تكن مذكرة تفاهم أديس أبابا اتفاقاً عابراً، بل كانت لحظة تأسيس لإطار هيمني جديد: تحوَّلت فيها قوات الدعم السريع من ميليشيا متهمة بجرائم حرب إلى فاعل طبيعي وشريك سياسي بحسب تعامل تحالف حمدوك. المؤتمر الصحفي الذي أعقب توقيع اتفاق حمدوك-حميدتي، والذي جلس فيه حمدوك بجانب قائد الميلي.. شيا وهو يلقي خطابه السياسي التحريضي، محاولاً تقديم نفسه كفاعل سياسي شرعي بينما كانت قواته تغتصب وتنهب وتقتل في ولاية الجزيرة في الوقت ذاته، كان تجسيداً حياً لحقيقة ذلك الاتفاق.
مارس تحالف صمود دور المثقف غير العضوي- وفقاً لتصنيف غرامشي – عبر إعادة إنتاج الخطاب السياسي لشرعنة ودعم هيمنة جديدة تقوم على المال النفطي الإماراتي وادوات عنف الميلي.. شيا، بدلاً من التعبير عن المجتمع ومصالحه. وفي ذلك، لعبت صمود دوراً انتهازياً خطيراً في عملية تحويل الجلَّاد إلى شريك سياسي شرعي.
سعت آلة الهيمنة الإعلامية المنتمية لتحالف حمدوك إلى خلق صواب سياسي أحادي، يتمحور حول موقفها، بينما يتم استهداف كل من يخالف هذا الخطاب بوسائل مختلفة، ومحاولة تجريمه وتشويه صورته، وصناعة رأي عام سلبي حوله يرفض ما يصدر عنه من موقف او رأي بشكل مسبق، بغرض إضفاء قدسية على مواقف صمود وجعلها فوق النقاش والنقد، بل وجعل التعامل معها كمرجعية سياسية للصواب أمراً مفروغاً منه. وهنا لم تتردَّد ابواق تقدم/صمود في استخدام خطاب الكراهية أو التزييف الإعلامي أو الإشاعات والأكاذيب أو تأجيج الاستقطاب العرقي والاجتماعي، فكل الوسائل مباحة في خدمة صناعة قداسة التحالف. وفي المقابل، يتم التغاضي عن الخطاب الفاشي والعنصري الذي تتبناه عناصر الميلي.. شيا وتحالف “تأسيس”، فهي تلتقي معهم في أهداف تحالف حمدوك، ولا حرج في قبول خطابها وممارساتها… فهي محض وسائل! أما القيم كالديمقراطية والعدالة والسلام والتعايش الاجتماعي وقبول الاخر، فلم تعد سوى عناوين جوفاء في كتاب تقدم.
أفرز هذا النمط من الممارسة السياسية أفراداً وجماعات “مُلكيّين أكثر من الملك” في الدفاع الأعمى عن تحالف حمدوك. هؤلاء المدافعون لا يستندون في دفاعهم إلى تحليل أو معلومة او معرفة موضوعية، بل هم يكررون ويروجون لتبريرات التحالف وكأنها حقائق مطلقة لا تقبل النقاش، حتى عندما تُستخدم لتبرير العنف أو القمع. موقف الدفاع عن تحالف حمدوك (تقدم ثم صمود) هنا أشبه بأيديولوجيا مصمتة، لا علاقة لها بالمضمون، بل هي محض محاولة للالتحاق بما يتم تصويره على أنه الفصيل السياسي الناجي، حتى لو كان ذلك على حساب تبرير سفك دماء السودانيين. في هذا السياق، يجلس حمدوك ورفاقه على مقعد زعيم الحشاشين حسن الصباح، في اصطفاف سياسي لا يعبِّر عن وعي، بل عن غيابه لصالح رغبة عارمة في الانتماء إلى مركز الصوابية الرمزية. وهكذا تتحول المواقف السياسية من أدوات للتغيير وعرض للرؤى إلى قرابين للانتماء وشهادات للمقبولية السياسية والاجتماعية. يستخدمها البعض لغسل شوائب ماضيهم السياسي، ويستخدمها آخرون للوصول إلى مقعد في هامش ما يتصورونه مركز السلطة الاخلاقية، بينما يتشبث بها آخرون كوسيلة للطمأنينة الذاتية في اتخاذ مواقف قد تكون مجزية الآن، لكن عواقبها الفادحة قادمة مع مرور الزمن. ويكمن المخرج الوهمي لهؤلاء في طمأنة أنفسهم بحكمة المثل السوداني “الموت مع الجماعة عرس”، دون أن يلتفتوا إلى أن هناك خيارات أخرى غير الانتحار السياسي. وبالطبع، لعب الدعم الخارجي والحشد الدولي وعقدة الخواجة المتأصلة في نفسية النخبة السودانية دوراً محورياً في خلق مركز هذه السلطة الرمزية التي يسعى القطيع السياسي -بأقسامه الثلاثة- للانضمام إليها.
الدعاية الإعلامية وصناعة القبول السياسي
يرى تشومسكي أن جوهر الدعاية السياسية يكمن في “تصنيع الرضا والقبول” عبر التحكم فيما يُقال وما يُسكَت عنه. خطاب “تقدم/صمود” حول “حماية المدنيين” من خلال المطالبة بحظر الطيران العسكري هو نموذج صارخ على هذا المنطق: يتم تضخيم دور الطيران الحكومي كأداة وحيدة للعنف، بينما يتم التعتيم عمداً على المجازر الأرضية والقصف العشوائي والنهب والاغتصاب والمجازر العرقية التي ترتكبها ميلي.. شيا الدعم السريع، والتخفيف من حدتها أو المرور عليها بشكل عابر. بل إن بعض أعضاء تقدم/صمود ذهبوا إلى تبرير الجرائم بشكل مباشر، كما حدث عند تبرير احتلال المنازل والمرافق المدنية في الخرطوم. وينطبق الأمر ذاته على خطاب تحالف حمدوك حول الدور الإماراتي في الصراع السوداني، الذي يقفز إلى اختلاق مقارنات غير حقيقية في بعض الأحيان لصرف النظر عن العدوان الإماراتي، بل وحتى تجاهل ومحاولة قمع أي حديث عن انتهاكات الإمارات، ليس فقط في دعم الميلي. شيا في حربها، بل حتى في اعتقال مواطنين سودانيين على أراضيها دون تهم أو مبررات قانونية سوى مواقفهم السياسية في ما يخص شأن بلادهم، ومن بينهم سياسيون بارزون مثل الباشمهندس محمد فاروق أحد مؤسسي تحالف قوى الحرية والتغيير.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل شهدنا أمثلة عملية على تحريف الحقائق بشكل متعمد. ففي مايو 2023، أصدرت الجبهة المدنية لإيقاف الحرب (أحد مكونات “تقدم” قبل انقسامها) بياناً نسبت فيه جرائم اغتصاب ارتكبها أفراد من ميليش.. يا الدعم السريع إلى الجيش، قبل أن تتراجع لاحقاً تحت ضغط الرأي العام وتعترف بعدم مصداقية المعلومات التي أوردتها. الحادثة لم تكن خطأ فردياً، بل جزءاً من آلية متكررة: تضخيم انتهاكات الجيش أو افتراؤها كذباً، في مقابل التعتيم على الانتهاكات الموثقة والممنهجة التي ترتكبها قوات الدعم السريع. مرة أخرى، لعبت تقدم/صمود دورها في عملية دعائية تهدف إلى تحويل الجلَّاد إلى شريك سياسي شرعي.
بطبيعة الحال، لا يُعدّ ما سبق دفاعاً عن الجيش، بل محاولة لقراءة الواقع كما هو فعلا. فالتباين بين الجيش ومل.. يشيا الدعم السريع في هذه الحرب لا يحتاج إلى كثير دلائل؛ إذ تكفي أن حركة الناس التلقائية من مناطق سيطرة الدعم السريع نحو مناطق سيطرة الجيش الحكومي بحثاً عن الأمان لتُظهر الفارق بوضوح. لكن الأدلة لا تقف هنا: بيانات التقارير المستقلة كمشروع بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة ACLED نسبت في تقريرها الصادر في نوفمبر 2024 ارتكاب 77% من الانتهاكات ضد المدنيين إلى ملي.. شيا الدعم السريع، وفي ذات المنوال مركز انسياتس في يوليو 2025 الماضي أنّ 88% من حوادث قتل المدنيين تتحمل مسؤوليته ذات المليشيا. هذا الفارق الكمي الصارخ لا يمكن إنكاره إلا عبر منظومة وعي متعمد يتستّر على الحقيقة وهو الوعي الزائف الذي تحاول ترويجه صمود عبر ادعاءاتها بالحياد.
بل إن “تقدم/صمود” ذهبت إلى أبعد من ذلك عبر خطاب بعض قادتها وأفرادها الذين دافعوا علناً عن وجود ميلي.. شيا الدعم السريع في المحيط السياسي، بزعم أنها تمثل حواضن اجتماعية (طه عثمان إسحاق – مؤتمر صحفي لقوى الحرية والتغيير في القاهرة – أغسطس 2023)، أو الدفاع عن حميدتي بصفته رجل سلام لا يرغب في استمرار الحرب (طه عثمان إسحاق – لقاء تلفزيوني مع أحمد طه على قناة الجزيرة – فبراير 2024)، أو دعوة بكري الجاك – المتحدث الرسمي باسم التحالف – إلى استسلام الجيش السوداني لميلي.. شيا الدعم السريع على غرار استسلام اليابان في الحرب العالمية الثانية (مقابلة تلفزيونية مع قناة الجزيرة – يونيو 2024)، أو التصريحات المتكررة لحمدوك وخالد عمر يوسف في الدفاع عن الإمارات وتبرير دعمها للميل.. يشيا وعدوانها المباشر على السودان. وقائمة الأمثلة طويلة ولا تنتهي، لكنها لا تخضع لأي تقييم وتهرب من أي نقد سياسي بل وتهاجمه بتصويره وكأنه هجوم على الثورة السودانية -وهم منها براء- تحت راية الولع المرضي بأسطورة القداسة السياسية للتحالف الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
الاستشراق الداخلي: إدوارد سعيد وفزاعة الإسلاميين
أظهر إدوارد سعيد كيف يعمل الخطاب المهيمن على إنتاج “آخر” سلبي لتبرير السيطرة والعنف، وتقديم الذات على أنها نقيضه. وفي الحالة السودانية، تلعب تقدم/صمود هذا الدور عبر استخدام فزاعة الإسلاميين. فبدلاً من مواجهة حقيقة تورط ميلي.. شيا الدعم السريع في مذابح عرقية في دارفور والخرطوم والجزيرة، وتقتيل وتشريد المدنيين واغتصابهم ونهبهم، يحوِّل الخطاب السياسي لتحالف حمدوك الأنظار نحو “الإسلاميين” بوصفهم الشر المطلق. وهنا يحاول داعمو صمود استغلال التاريخ الدموي للإسلاميين خلال سنوات حكم البشير والسخط الجماهيري عليهم الذي أنتج الثورة، وتسخيره لصالح تبرير أفعال وجرائم الميليشيا، في منطق يتعامل مع معاناة السودانيين بشكل تجريدي وكأنها مجرد مشاهدات سينمائية على شاشات التلفاز وليس معاناة حقيقية لناس انقلبت حياتهم رأسا على عقب بين ليلة وضحاها. يتناسى منظرو تقدم/صمود أن السخط على الإسلاميين جاء أساساً نتيجة أفعال مشابهة لما تقوم به الميليش.. يا الان، وأن جرائم الإسلاميين خلال عهد البشير لا يمكن أن تبرر بأي حال جرائم الميليشيا اليوم. بل إن وجود الميليشيا ذاتها هو من أكبر جرائم الإسلاميين وحكمهم.
هذا الاستشراق الداخلي يحاول إنتاج منطق الاستبعاد: فكل من لا ينضم إلى معسكر “صمود” يُصنَّف تلقائياً بأنه “إسلامي” أو “داعية حرب”. والنتيجة هي إقصاء أي صوت نقدي مستقل يختلف مع نهجها السياسي، وتحويل الصراع من نقاش حول أسس العدالة والسلام والمحاسبة إلى حرب حول الهوية اللفظية، تحتكر فيه صمود وابواقها حق تعريف من يحق له الحديث باسم الثورة والسلام ومن لا يحق له ذلك.
هذا الخطاب القيمي التجريدي تستخدمه صمود/تقدم لتملأ الدنيا ضجيجاً من ابوظبي ونيروبي وكمبالا وصولا الي اقامة الندوات في المعهد الملكي في لندن للمناداة بضرورة حظر الطيران لحماية المدنيين ولكنها تصمت عن هذه المطالبة فجأة فور ان امتلكت ملي.. شيا الدعم السريع مضادات للطيران واسلحة للدفاع الجوي، ولكن في ذات الحين لا تتحرك حميتها الباسلة لحماية عن المدنيين في الفاشر الذين امتد الحصار عليهم لقرابة العام ونصف حتى ولو بمطالبة شكلانية بايصال المساعدات لهم وانهاء حصار التجويع الذي تفرضه الملي.. شيا! اذا يبدو ان في كتاب سياسة تقدم / صمود ان المدنيين تهاجمهم مليشيا الدعم السريع ليسوا مكتملي المدنية ما يكفي للمطالبة بحمايتهم!
هنا تلتقي المقاربة مع تحليل حنة أرندت لتفاهة الممارسة السياسية. فالمفارقة أن خطاب “صمود” لا يصدر عن مؤامرة شريرة واعية بقدر ما يصدر عن بيروقراطية سياسية تهدف إلى الحفاظ على وجودها السياسي بأي ثمن، ولكنها فقدت القدرة على الحكم الأخلاقي في سياق هذا السعي المحموم. حين يصرح التحالف بأن حظر الطيران “عملية تشاركية” وهو يعلم أن نتيجته منح اليد العليا لميلي.. شيا ارتكبت جرائم إبادة جماعية واغتصاب جماعي من الجنينة إلى ود النوبة، فإننا نرى ما وصفتهُ أرندت بـ”تفاهة الشر”: أي تحويل المأساة الإنسانية إلى مجرد بند في ورقة سياسية أو ورشة عمل تمولها الحكومة الإنجليزية أو النرويجية أو، الأسوأ، الإماراتية – التي تشارك بنفس التمويل في دعم العمليات الحربية للميلي.. شيا. دون أن يتوقف المنتسبون لتحالف حمدوك للحظة ليتساءلوا كيف يمكن لنفس التمويل أن يساهم في تأجيج حرب المليشيا وفي سعيهم -إن كانوا صادقين- للسلام في الوقت ذاته. وإن استطاعوا خداع أنفسهم بقبول هذه المفارقة، فكيف لهم أن يقنعوا جموع السودانيين الذين شردتهم الحرب من ديارهم وذاقوا الأمرين من ويلاتها؟ وكأنهم يطلبون من السودانيين ان ينسوا جراحهم بلا مقابل ويعمدوا الي قبول الانماط التي انتجتها لأن الموت ضرورة !
البلاهة المنظمة لعصر الانحطاط السياسي
كانت النتيجة هي انحدار السياسة إلى شكل من البلاهة المنظمة، حيث يتحول ادعاء الحياد إلى أداة لإعادة إنتاج المأساة بل وتبرير تفاقمها عبر توزيع وزرها على جميع الأطراف. تماماً كما يحدث الآن من محاولات حثيثة لتقسيم السودان عبر الإعلان عن حكومة المـ. يليشيا، والذي سارع خطاب التحالف إلى شرعنته عبر الترويج لوجود “حكومتين” في السودان!
المعضلة الجوهرية أن “صمود” لا يقدم مشروعاً حقيقياً لإنهاء الحرب بقدر ما يعيد إنتاجها بخطاب مختلف، ويزايد على الاخرين للقبول بها. ولكن الحياد الوهمي هنا ليس موقفاً أخلاقياً، بل استراتيجية انحياز مقنَّعة، تستعين بتثبيت تحيز معرفي مسبق يتجاهل الواقع والحقائق والوقائع، للترويج لخطاب محدد يتيح للقوى الخارجية (والإمارات نموذجاً) مساحة لتوظيف التحالف في إعادة رسم موازين القوة.
ما تحتاجه الساحة السودانية للخروج من كارثة الحرب الحالية ليس حياداً زائفاً، بل شجاعة أخلاقية تعترف بالمسؤولية المباشرة عن الجرائم، وتعيد مركزية الخطاب السياسي للضحايا وليس الابقاء على المنطومات السياسية للنخب، وتؤسس لموقف مدني لا يستعير خطاب السلاح بل يقوضه. وهذا يستلزم – وفق درس غرامشي – مثقفاً عضوياً مرتبط بقضايا الناس العاديين وليس همومه الذاتية؛ ووفق درس سعيد – نقداً جذرياً للخطاب وموقع صاحبه؛ ووفق درس تشومسكي – مقاومة آليات التضليل والدعاية؛ ووفق درس أرندت – استعادة للحكم الأخلاقي وسط تفاهة الشر.
يقدم تحالف صمود نفسه باستمرار على أنه “الفئة الناجية”، لكنه في الحقيقة يعيد إنتاج الكارثة بوجه مدني مزيَّف وخطاب معرفي متحيز. واستمراره في هذا المسار يعني أن السودان سيظل رهينة بين مطرقة العسكر وسندان حياد” زائف يشرعن استخدام السلاح للابتزاز السياسي. وحده موقف جديد يعيد الاعتبار لحقيقة معاناة الضحايا بدلا عن طموحات الجلاد يمكن أن يفتح أفقاً مختلفاً. وإلا فإن تحالف صمود لن يكون سوى اسم آخر لـتفاهة الشر التي تغرق السودان.