عثمان ميرغني يكتب: الفرق بين “التحالف” و”التكامل”

كتبت قبل ثلاثة أيام أدعو إلى عدم تكرار تجربة “التكامل” في العلاقات السودانية المصرية، واستبدالها بـ”التحالف”، وذلك في سياق تعليقي على ورشة العمل الثالثة للشركة المصرية السودانية التي جاءت بعنوان “التكامل المصرفي بين مصر والسودان”، وعُقدت في مركز المؤتمرات الدولية بالقاهرة يوم الاثنين 24 نوفمبر 2025 (تجدون تفاصيل الورشة في الصفحات الداخلية لصحيفة “التيار” في عدد اليوم السبت 29 نوفمبر 2025).
رؤية “التكامل” تنبني على علاقات ثنائية (Bilateral) بين السودان ومصر، بينما رؤية “التحالف” تتأسس على علاقات متعددة الأطراف (Multilateral). والفرق بينهما كبير ومؤثر بصورة واسعة على طبيعة المشروعات المستقبلية.
في رؤية “التحالف المصري السوداني” تُصمَّم المشروعات على أساس يتجاوز البلدين إلى دول أخرى، فتُوضَع مصالح مصر والسودان المشتركة في كفّة واحدة مقابل الدول الأخرى.
سأضرب مثالاً بسيطاً:
في إطار العلاقات الثنائية بين البلدين (مصر والسودان)، يجري النظر هذه الأيام في تطوير معبر “أرقين” ليساعد على تيسير التجارة البينية وحركة البضائع والمواطنين أيضاً.�بالضرورة ستتجه النظرة إلى تطوير المعبر بحيث يتحمل الحركة التجارية المتوقعة وفق الأرقام التي تحددها صادرات وواردات البلدين من كلا الطرفين، وربما تتطور الفكرة لاحقاً إلى صيانة وتطوير الطريق الأسفلتي من أرقين حتى الخرطوم؛ ليسهم في اختصار الزمن وضمان تدفق سريع للسلع والركاب.
هذا في حالة “التكامل”، أي العلاقة الثنائية بين مصر والسودان فقط.
أما في رؤية “التحالف” بين البلدين فتختلف الفكرة كلياً:�تطوير معبر “أرقين” ليكون بوابة للصادرات المصرية إلى العمق الأفريقي جنوباً وغرباً وشرقاً. والطريق المسفلت إلى الخرطوم يتطلب توسيعاً أفقياً ورأسياً:
• أفقياً بزيادة العرض، بحيث يصبح مثلاً أربعة مسارات في كل اتجاه،
• ورأسياً بتوفير مرافق إيواء وخدمات لوجستية على طول الطريق؛ لمساعدة الشاحنات والحافلات على السفر المريح والآمن،�خاصة أن الخطة تنظر إلى مستقبل يمتد فيه الطريق من الخرطوم إلى جوبا، ومنها إلى بقية دول حوض النيل الجنوبي، ومن الخرطوم إلى أديس أبابا وأسمرة ونيامينا (أم درمان؟ أو أنجامينا عاصمة تشاد؟).
هذا النموذج يمتد إلى كل المشروعات: المطارات، والسكك الحديدية، والموانئ، والنقل النهري.. وكل ذلك في قطاع النقل فقط.
أما القطاع الصناعي، فقد تنشأ مناطق صناعية كبرى في السودان لاستيعاب فروع من الصناعات المصرية موجهة خصيصاً للأسواق الأفريقية.
الصورة الكلية: يصبح السودان جسراً ومعبراً يمدّد الصادرات المصرية إلى أسواق واسعة بتكاليف منخفضة، مما يرفع قدرتها التنافسية.
بهذا يصبح السودان شريكاً استراتيجياً وليس مجرد حليف للاقتصاد المصري، وترتفع المصالح المشتركة بين البلدين إلى ما يتجاوز حدودهما الجغرافية.
بكل يقين، مثل هذا التحالف المصري السوداني سينعكس إيجاباً على ثقل البلدين أفريقياً ودولياً، وسيجعل للأبعاد الجيواستراتيجية التي يتمتع بها البلدان قيمة مضافة أكبر كثيراً مما يتصوره الخيال السياسي العادي.
من الحكمة إذن أن تُؤسَّس العلاقات المصرية السودانية على مبدأ “التحالف” لا “التكامل”.

موقع المنبر
Logo