
تكتيك الامتحانات في المدرسة يعتمد على تحقيق أعلى الدرجات حيث يسهل الحصول عليها.. مادة “الدين”.. نسميها مادة “تقفيل”.. يعني الدرجة الكاملة.. وعندما نخرج من الامتحان دائماً نردد “الدين موية” أي امتحان سهل.. كشرب الماء.
السهولة لأنه يعتمد على “الشحن والتفريغ”.. الحفظ والتسميع.. نصوص قرآنية وأحاديث نبوية شريفة.. نحفظها صمّاً.. ثم نكتبها في ورقة الإجابة.. وينتهي المفعول بنهاية الامتحان..
في السنة الثالثة ابتدائي.. درسنا الحديث (ما ملأ ابن آدم وعاءً شرّاً من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه).
حفظناه صمّاً.. كتبناه في الامتحان.. وانتهى الدرس.. فـ”الدين موية”..
لو علم من وضعوا مقررات مادة التربية الإسلامية ما في هذا الحديث من معانٍ.. لربما أخرجوه من “حصة الدين” إلى حصص العلوم، والاقتصاد، والاجتماع، والسياسة، والتربية البدنية، وعلم النفس.
الحديث يربط الغذاء بصحة الإنسان الجسدية والمعنوية.. وبالتالي يرسم خطاً مستقيماً مع أهم مرتكزات الحياة الاجتماعية.. كسب العيش والأنماط الغذائية.. وهذا يقود مباشرة إلى تفاصيل الاقتصاد المرتكز على الإنتاج الغذائي.. الذي يتحكم في عوامل السياسة.. فالثورات الشعبية على مدى التاريخ كانت تهب من مكامن الجوع وما يصنعه من ضيق على الفكر والتفكير والإنتاج والطموحات التنموية.
لنأخذ مثالاً..
معلوم طبياً أن الإفراط في بعض الأطعمة المكررة مثل القمح والسكر قد يرتبط بزيادة خطر الإصابة بأمراض القلب والسكري والضغط.. وكلما زاد استهلاكها بكميات كبيرة أهدر صحة المجتمع.
ومع ذلك فالقمح والسكر من السلع الأساسية التي تؤثر في الاستقرار السياسي، حيث ترتبط نقصانها أو غلاؤها باحتجاجات وثورات جماهيرية تطيح بالأنظمة الحاكمة..
السودان ينفق على استيراد القمح مبالغ كبيرة سنوياً (كانت تصل إلى حوالي مليار دولار في السنوات السابقة، وقد تتجاوز ذلك حسب الظروف).. ليملأ بطوناً، مما ينتج عنه حزمة أمراض قد تكلف السودان أضعاف ما دفعه للاستيراد في فاتورة العلاج.
فتصبح فاتورة القمح المباشرة وغير المباشرة هائلة..
هذا اضافة للفاتورة غير المباشرة من تدمير العافية والهمة وإضعاف القدرة على الإنتاج نتيجة الأمراض..
حسناً.. لو بذلت الحكومة جهداً تخطيطياً ومالياً لرفع الوعي الشعبي حتى نغير أنماط حياتنا الغذائية.. بدلاً من الاعتماد الزائد على القمح، ليتغذى الشعب السوداني مثلاً على الدخن..
الدخن، إضافة إلى فوائده الكبيرة على الصحة والجسم (مثل انخفاض مؤشر السكر في الدم، وغناه بالألياف والمعادن).. فهو منتج سوداني 100%.. كلما ارتفع استهلاكه في السودان زاد إنتاجه في مناطق زراعته خاصة دارفور.. نوفر العملة الصعبة التي كنا نستورد بها القمح… ونرفع العائد للمزارع السوداني في مناطق إنتاج الدخن.. عشرة عصافير بحجر واحد.. صحة واقتصاد وسياسة واجتماع وأكثر..
السكر.. واحد من أكثر السلع استهلاكاً في السودان.. بسبب العادات الغذائية السيئة.. السودانيون يشربون السكر بالشاي..
في يوم كنت أقود سيارتي وأسمع إذاعة إف إم 100 في السودان.. برنامج الدكتور عبد القادر محمد الذي يتحدث فيه صباح كل خميس عن الغذاء.. قال إن الارتباط بالسكر هو مجرد أوهام في الدماغ، إذا تخلص منها الإنسان لن يشعر بالحاجة إلى السكر في شراب أو طعام..
جربت الفكرة.. بقرار واحد دون تردد قطعت السكر تماماً.. بعد أسابيع قليلة كنت أستغرب كيف يحس بالمتعة و”الكيف” من يشرب الشاي أو القهوة بالسكر.. بل أحياناً عندما يقدم لي كوب شاي في مناسبة وأضطر للمجاملة بشربه.. أحس بـ “طمام” في بطني.. وأكاد أستفرغه.. فعلاً مجرد وهم..
هذا السكر علاوة على كونه فاتورة باهظة على السودان نستورد منه مئات الآلاف من الأطنان فوق إنتاج خمسة مصانع سكر سودانية.. فهو السبب الرئيس لأمراض السكري والضغط والقلب وغيرها.
وظل السكر واحداً من مهددات الحكومات.. في عهد الرئيس الأسبق نميري لا تزال ذاكرة الشعب السوداني تتذكر “مظاهرات السكر”.. عندما أعلنت الحكومة زيادة “قرش واحد” على رطل السكر.. فنزل الشعب كله إلى الشوارع فتراجع نميري بسرعة بل أذاع بياناً للشعب وهو يبكي.. لأول مرة يرى الشعب الدموع في وجه رئيس صلب قوي.. بسبب السكر..
لو استثمرت الحكومة في رفع وعي الشعب بالامتناع أو على الأقل تقليل استهلاك السكر.. فإنها تكسب شعباً معافى قوياً في جسمه وروحه.. وتوفر مليارات الدولارات.. بل وتصدر ما تنتجه مصانعنا..
هذه مجرد أمثلة بسيطة.. من معاني الحديث النبوي الشريف (ما ملأ ابن آدم وعاءً شرّاً من بطنه..).
لكن للأسف مقررات “حصة الدين” لا تعرف هذه المعاني.. ولهذا فـ”الدين موية”..
#حديث_المدينة السبت 3 يناير 2026


