عثمان ميرغني يكتب: “دراويش السياسة”

 

 

في أحد أشهر كتبه «النخبة السودانية وإدمان الفشل»، أفرد الدكتور منصور خالد فصلاً بعنوان «دراويش السياسة». قال إن الساسة في السودان يرددون بعض العبارات بصورة مستمرة، وكأنهم دراويش في حلقة ذكر، يظنون أن مجرد تكرار العبارات ضربٌ من العمل الصالح.
في مسرحنا السياسي، دروشة حقيقية. أضع بين أيديكم بعضاً من أبرز نماذجها:

أمس قرأت تصريحاً لسياسي معروف قال إن مشكلة السودان تكمن في «غياب المشروع الوطني». هذه العبارة سمعتها آلاف المرات على ألسنة الساسة وبعض الكتاب، ينطقونها بعفوية وكأنها مسلّمة لا تحتاج إلى تبيان.
ما معنى «المشروع الوطني»؟
هذا السؤال كررته لكل سياسي يردد هذه التعويذة. لكن اللافت دائماً هو الدهشة التي تظهر على وجه المتحدث عندما يُباغَت بالسؤال: ما هو المشروع الوطني بالضبط؟
غالبًا لم يخطر بباله أن يتأمل المعنى بعمق، لأنها عبارة من صميم «دروشة السياسة».. تردد وتُكرر دون حاجة للتحديق في معناها الفني المباشر.
وأتحدى الآن: إذا سمعت سياسياً يرددها، اسأله: ما هو المشروع الوطني؟
تحدٍّ كبير أن تجد إجابة واضحة تبيّن المقصود فعلاً.
في صدفة نادرة، وجدت سياسياً تجاسر وشرحها لي قائلاً: «اتفاق الأمة على مشروع واحد». فسألته: وما معنى «مشروع واحد»؟ فرأيت الحيرة ذاتها.. كاد يقول لي: «مشروع يا راجل!» على وزن «شفيق يا راجل».
أترك لك عزيزي القارئ أن تجرب ذلك بنفسك. إذا طرقت أذنك هذه العبارة في أي محفل سياسي، حاول أن تستفسر عن معناها الفني الحقيقي.

وقريبة منها عبارة «العقد الاجتماعي».
ما معنى العقد الاجتماعي؟
ستجد مرافعة طويلة مبهمة.. لكن إذا واصلت ملاحقتك للحصول على إجابة قاطعة، فغالباً ما ستندهش في النهاية أنه يقصد بها «الدستور».
وهنا يطرح السؤال العفوي: ولماذا لا يُقال الدستور مباشرة؟
هل سأل أحد درويشاً في حلقة ذكر – كما قال شاعرنا المجذوب – لماذا يردد كلمة واحدة آلاف المرات؟

وتستمر التغطية بأمثلة أخرى:
عبارة «الانتقال الديمقراطي».. من أكثر الكلمات التي تطرب الساسة في المنابر الجماهيرية أو الحوارات الإعلامية.
ما معنى «الانتقال الديمقراطي»؟
أتحدى أن تجد سياسياً قادراً على الإجابة بأكثر من وصف فترة زمنية تنتهي بانتخابات.. وهذا كل شيء! بهذه البساطة.

ثم نصل أخيراً – وليس آخراً – إلى «أم الدروشة» على وزن «أم المعارك»:
حكاية «الحوار السوداني – سوداني».. عبارة لا يكاد بيان حزب سياسي يخلو منها، وتوصيات ورش العمل التي تُعقد بمعدل ورشة كل أسبوع، كلها تحمل في النهاية التعويذة المقدسة: «حوار سوداني سوداني».
ما هو «الحوار السوداني سوداني»؟
الإجابة التي تكشفها السيرة السياسية للأحزاب والتحالفات منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، أنه المقصود به في الغالب: «حوارنا نحن مع نحن».. فصيل أو تحالف سياسي مع أعضائه وبعض المكونات السياسية المتشابهة أو القريبة منه.
فلكل مكون سياسي قائمة سوداء تضم مكونات أخرى يرفض التحاور معها. فـ«الحوار السوداني سوداني» بالنسبة إليه هو حوار الذات مع الذات.
كيف نتخلص من دروشة السياسة؟
هنا المحك الحقيقي. بدون الإجابة عليه لن تستطيع الأحزاب والتحالفات السياسية الخروج من قوقعتها المغلقة.

موقع المنبر
Logo