
لم أكن أتصور مطلقًا أن يوجد من يدّخر الدولار نقدًا في الخزن الخاصة التي توفرها البنوك لعملائها، بدلاً من إيداعه في حسابات بنكية. هذه الخزن مخصصة أساسًا لحفظ المستندات والذهب والماس وغيرها من النفائس، وليس للأوراق النقدية المحلية أو الأجنبية.
عدد كبير من السودانيين تبددت في لمح البصر كل مدخراتهم التي أنفقوا في جمعها عمرًا طويلًا، وحافظوا عليها في أكثر مكان تصوروه آمنًا وغير قابل للمساس. لكن فوضى قوات التمرد والحرب المجنونة طالت الغالبية الكاسحة من البنوك، واستهدفت بالتحديد هذه الكنوز السهلة التي اكتظت بها الخزن الخاصة.
بالضرورة سيكون من الصعب تعويض هؤلاء المكلومين في أموالهم، لسبب بسيط: البنك لا يعرف – ولن يعرف – محتوى كل خزنة خاصة. ومن واقع تواصلي مع كثير من أصحاب هذه الخزن، فإنها تحتوي كميات مهولة من الذهب بمتوسط يقترب من ثلاثة كيلوغرامات لكل خزنة، إضافة إلى المجوهرات الثمينة الأخرى، والدولارات التي قد تبلغ ثلاثة ملايين دولار للخزنة الواحدة. إنها ثروة قومية لا تُقدَّر بثمن.
ومع تضامني وحزني الشديد لما أصاب أصحاب هذه الخزن، إلا أنني أنظر هنا في اتجاه آخر.
الذين اضطُرّوا لحفظ مدخراتهم بعملة أجنبية – وبالأخص الدولار نقدًا في خزن خاصة بدلاً من الحسابات البنكية – لم يفعلوا ذلك إلا بسبب غياب سياسة نقدية مستقرة وثابتة في الدولة، تضمن لهم إمكانية استعادة أموالهم متى شاؤوا.
درجت البنوك في كثير من العهود على استلام الأموال بالعملة الصعبة، ثم إجبار أصحابها على استلامها بالعملة المحلية، وأحيانًا بفارق مذهل يبتلع كل ما أُريق فيها من عرق وجهد وعمر.
لم يعد السودانيون واثقين من النظام المصرفي في بلادهم إلا في الحدود الضيقة. وحتى الأموال بالعملة السودانية تكتظ بها أحيانًا كثيرة الخزن الخاصة في البيوت والمحلات – على ما في ذلك من مخاطر جسيمة. فالمبدأ الراسخ في الضمير الشعبي أصبح: «جنيه في اليد خير من ألف في البنك».
والخاسر الأكبر هو الدولة والبنوك نفسها. فلو أُودعت هذه الأموال في النظام المصرفي، لساهمت في ضخ الدماء في الاستثمار والمشاريع، وتحركت في عروق الجسم الاقتصادي للدولة، مما يحقق عافية أفضل للجميع.
وحتى الذهب كان يمكن تحويله إلى ضمانات بنكية تتيح للمودع استثمار ما يعادل قيمته في مشروعات خاصة، أو حتى في صناديق ترعاها الدولة. أما بقاء أطنان من الذهب مخبأة في الخزن الخاصة، فيجعلها مجرد معدن بارد لا قيمة له سوى الحيازة المعنوية.
من الحكمة – بعد أن تضع الحرب أوزارها – أن تنظر الدولة في وضع آلية عادلة لتعويض أصحاب هذه الأموال والممتلكات المسروقة. وفي الوقت ذاته، تطوير النظام المصرفي حتى يكتسب ثقة الجمهور من جديد، ويستقطب مدخراتهم.


