
قال سفير السودان بالقاهرة السيد عماد الدين عدوي في مؤتمر صحفي أمس الأول (الجمعة) إن عدد السودانيين في مصر وصل إلى 6 ملايين. رأى كثيرون في ذلك مبالغة، وبالتأكيد السجلات الرسمية المصرية قادرة على تحديد الرقم بدقة. لكن في تقديري، سواء كان الرقم أكثر أو أقل من ذلك، فإن المشكلة ليست في الخلاف حول الرقم بقدر ما هي في التعامل بأفق استراتيجي مع هذا الأمر.
كنت في زيارة إلى مصر في نهاية العام 2022، ففوجئت فعلاً بالعدد الكبير من السودانيين الذين انتقلوا للدراسة والتجارة أو الإقامة في مصر. كان ذلك قبل اندلاع الحرب بحوالي 5 أشهر، ومع ذلك سمعت تقديرات غير رسمية من مسؤولين في سفارة السودان بالقاهرة تتحدث عن 4 ملايين مواطن سوداني في مصر.
في تقديري أن الذين لجأوا إلى مصر بعد الحرب ربما أقل قليلاً من مليوني سوداني، ليكون المجموع تقريباً هو العدد الذي أشار إليه السفير، أي حوالي 6 ملايين.
هذا يعني أن الغالبية استقرت في مصر قبل الحرب، وبعبارة أخرى أن الظروف التي دفعتهم لمغادرة السودان لم تكن الحرب من ضمن حيثياتها. مما يعني عملياً أن هذا الرقم لا يرتبط انخفاضه إلى حدود معقولة بانتهاء الحرب، بل بعوامل أخرى واضحة ومعلومة. على رأسها حالة عدم الاستقرار التي شهدها السودان بعد ثورة ديسمبر، والتي أدت إلى تعطيل الدراسة في الجامعات لدرجة تراكم الدفعات، وانهيار الأعمال فهرب المستثمرون السودانيون بأموالهم إلى مصر. وحتى أصحاب الدخل المتوسط في السودان باعوا ما يملكون واستثمروا في بيوتهم هناك بتأجيرها للآخرين، واستقروا في مصر مع تحويل ما يحصلون عليه من قيمة الإيجار إلى مصر حيث يقيمون بصفة دائمة.
هذا يعني أن عودة السودانيين إلى وطنهم تتطلب عملاً منهجياً يتجاوز ظروف الحرب، ليحقق الاستقرار في كل مناحي الحياة، ويوفر الحياة الكريمة في السودان للأسر التي هاجرت قبل الحرب تحديداً.
مثل هذا الأمر لا يمكن حله بمجرد نداءات من المسؤولين تناشد السودانيين بالعودة إلى وطنهم.. هذا لا يكفي. المطلوب عمل أكبر بفهم أوسع.
بافتراض أنني هنا لا أناقش موضوع الحرب – فهو شأن آخر تحدثت عنه كثيراً وطالبت بتعجيل اتفاق سلام يطوي صفحة الحرب بسرعة وإلى الأبد – لكن في المقام الآخر، المطلوب عمل تنموي كبير وطموح لا يعيد السودانيين إلى وطنهم فحسب، بل يحتمل جذب الاستثمار المصري والعمالة المصرية.. على الأقل من باب رد الجميل. من الحكمة أن يخطط السودان ليصبح جاذباً للمصريين في المجالات كافة، ونأمل أن يستضيف السودان من المصريين استثمارياً وضعف عدد السودانيين الذين استضافتهم مصر على مدى سنوات قبل الحرب وخلالها.
السودان بلد كبير بإمكانيات هائلة، لكنه فعلاً يحتاج إلى الخبرة المصرية والأيدي المصرية لتشارك في بنائه لمصلحة الشعبين.


