
يتمتع السودان بموقعٍ استراتيجي فريد، حيث يمثل منفذاً إفريقياً حيوياً إلى البحر الأحمر عبر ساحل يمتد نحو 850 كيلومتراً، إضافة إلى كونه جسراً يربط بين دول القرن الإفريقي ووسط إفريقيا والعالم العربي. ومع أن هذا الموقع الاستراتيجي يفترض أن يكون نعمة، إلا أنه في واقع الحال تحوّل اليوم إلى نقمة، وذلك لعدة أسباب. فالموقع الاستراتيجي جعل من السودان عنصرًا محوريًا في مخطط إعادة تشكيل خريطة المنطقة، وفق مشروع “الشرق الأوسط الجديد”، مما يزيد من فرضية تقسيمه إلى دويلات مستقلة، والتي بدأت بالجنوب. والموقع الاستراتيجي يموضع السودان في منطقة تشهد توترات جيوسياسية عميقة، حيث الصراعات المرتبطة بأمن البحر الأحمر، والتنافس الدولي المحتدم حول ممراته وطرق التجارة العالمية. كما إنه يعزز من إمكانية امتداد النزاع الدامي في البلاد إلى دول الجوار، لا سيما تلك التي تعاني أصلاً من تصاعد التوترات السياسية والاجتماعية وهشاشة الأوضاع الأمنية. وبالطبع، فإن الأهمية الجيوسياسية تجعل السودان محط اهتمام القوى الدولية والإقليمية، ولكنه اهتمام يُعقّد أزماته الداخلية، حيث تتداخل المصالح الخارجية مع النزاعات المحلية، لتجعل من الحرب المشتعلة اليوم، في جانب منها، حربا بالوكالة.
نحن لم نأت بجديد باستعراضنا لهذه الحقائق الجيوسياسية، فهي بائنة وواضحة لكل مهتم. ولكننا سردناها كمقدمة لسؤال نطرحه ونساهم في الإجابة عليه في مقال اليوم: في ظل التوترات الإقليمية والدولية الراهنة، هل يمكن للقوى المدنية السودانية أن تعمل بمعزل عن هذه الحقائق الجيوسياسية؟ وإجابتنا المباشرة لا، بل يمكنها تطوير استراتيجية ذكية تستفيد من هذا الواقع الجيوسياسي ومن هذه الاهتمامات الدولية، لصالح هدف وقف الحرب، وذلك من خلال تبنيها وتنفيذها لعدد من التدابير، نقترح منها:
أولا، توظيف الاهتمام الجيوستراتيجي لخدمة السلام عبر تقديم رؤية للسودان المستقر كعامل استقرار إقليمي بدلاً من بؤرة تهديد، وإبراز المخاطر التي يمثلها السودان المنقسم على الأمن البحري الدولي، والأمن القومي لدول الجوار، والطرق المتواصل على الروابط بين استمرار الحرب وتصاعد التهديدات العابرة للحدود والدول، كالاتجار بالبشر، الجريمة المنظمة، تجارة السلاح… إلخ.
ثانيا، تنفيذ برنامج عمل متعدد المستويات. فعلى المستوى الداخلي، يمكن مثلا تشكيل “مجالس مصالحة محلية” بين الإثنيات والقبائل المتأثرة مباشرة بالنزاع، إنشاء “مرصد مجتمعي” لتوثيق الانتهاكات وتقديم معلومات موثوقة تعزز مساءلة الأطراف المتحاربة، إطلاق “مبادرات إنسانية مشتركة” تتخطى الخطوط القتالية لتقديم المساعدات…إلخ. وعلى المستوى الإقليمي، يمكن تشكيل “وفود مجتمعية وأهلية” لتوضيح موقف الشعب السوداني من الحرب للدول المجاورة، تطوير “ورقة سياسات” حول مصالح الدول المجاورة في استقرار السودان، عقد حوارات مع المجتمع المدني في الدول المؤثرة، وقد ناقشنا هذا الاقتراح في مقال سابق. أما على المستوى الدولي، فبدلا عن الاكتفاء بانتظار مبادرات الآخرين والتعليق عليها، تبادر القوى المدنية بصياغة “مبادرة سلام سودانية” لتقديمها للمجتمع الدولي والإقليمي، وتقترح أن يتم بحثها في مجلس تنسيق سلام سوداني- دولي، يضم ممثلين عن القوى المدنية السودانية والأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي والجامعة العربية، وأن تنشئ “آلية اتصال موحدة” مع المنظمات الدولية لتجنب التمثيل المتضارب، وتبتكر وتطور خطط للإغاثة والتعافي مبنية على أولويات المجتمعات المحلية.
ويمكن للقوى المدنية السودانية أن تستغل التنافس الدولي في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، فتقدم السودان كمختبر للتعاون الدولي والإقليمي بدلاً من التنافس، أو تدعو القوى المتنافسة للمشاركة في “تحالف إنساني” محايد. ويمكنها اقتراح تشكيل فرق رصد مشتركة مع المراقبين الدوليين، وإنشاء منصة معلومات موحدة وقاعدة بيانات مشتركة للمساعدات تمنع الازدواجية وتساهم في الشفافية. كما يمكنها المطالبة بأن يكون أي صندوق سلام تقترحه المؤتمرات الدولية ولقاءات المانحين، مشروطا بربط المساعدات الدولية بالتزام أطراف الحرب بخطوات ملموسة نحو السلام. وفي ذات السياق، ومن خلال استخدام تقارير الأمم المتحدة كأدوات ضغط على الأطراف المتحاربة، أرى أن تحرك القوى المدنية كوادرها من المحامين والقانونيين لبحث كيفية الاستفادة من الإطار القانوني الدولي لتوفير حماية المدنيين وفق مبدأ “المسؤولية عن الحماية”، واللجوء إلى الآليات الدولية لمحاسبة مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان.
وتلخيصا للحديث أعلاه حول موقع السودان الاستراتيجي وفي قلب التوترات الجيوسياسية، فإن المطلوب اليوم هو “عقد اجتماعي جديد” بين القوى المدنية السودانية والمجتمع الدولي، يقوم على الشراكة بدلاً من الوصاية، والمساءلة المتبادلة بدلاً من الشروط الأحادية، والرؤية المشتركة للسودان كدولة مستقرة تساهم في أمن المنطقة بدلاً من تهديده، وقبل كل ذلك قناعة المجتمع الدولي بأن مستقبل السودان يقرره السودانيون. وباختصار، في زمن تتقاطع فيه الأزمات الإقليمية والدولية، يملك السودان فرصة تاريخية لتحويل موقعه الجيوستراتيجي من لعنة تزيد النزاع تعقيداً إلى نعمة تجذب الدعم الدولي الحقيقي للسلام. ولكن هذه الفرصة لن تتحقق بدون قوى مدنية موحدة الرؤى وفاعلة، تقدم برنامج عمل واضحاً، ومجتمع دولي يدرك أن استثماره في سلام السودان هو استثمار في استقرار منطقة بالغة الأهمية لمصالحه.
صحيح، هذا النشاط المقترح تواجهه العديد من التحديات في السياق الدولي الراهن، كانشغال المجتمع الدولي بأزمات متعددة، وتضارب مصالحه في منطقة البحر الأحمر، وخطر تحول السودان إلى “أزمة منسية” في الإعلام الدولي. لكن، بالمقابل هناك العديد من الفرص كاهتمام دول الجوار باستقرار السودان لحماية مصالحها، والحاجة الدولية لضمان أمن الملاحة في البحر الأحمر، وإمكانية توظيف التجربة التاريخية الدولية في فض النزاعات…، وغير ذلك. ما أود قوله هو أنه لا يمكن فصل دور القوى المدنية السودانية عن السياق الجيوسياسي المعقد. ولكن نجاح هذا الدور يتطلب تحول هذه القوى من موقع المتفرج أو المتلقي للمبادرات والمساعدات إلى شريك فاعل في صنع السلام، وقبل ذلك توحدها في الرؤى والمواقف، وليس بالضرورة في بنيان تنظيمي مهيكل، وقد ناقشت ذلك في مقال سابق.


