
العبارة التي نطق بها الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي في آخر المطاف، عندما لم يعد للفهم جدوى بعد أن أزفت الآزفة.. لكني هنا أستعيرها في غير الظرف ولا المناسبة.. لأني أنا الذي فهمت.. وليس أي شخص آخر.
كان يدهشني – إلى درجة “متعة الدهشة” – مبتكرها شاعرنا عمر الطيب الدوش (أمتع نفسي بالدهشة).. لماذا الحكومات المتعاقبة في سوداننا الحبيب لا ترغب في تصميم خطة استراتيجية هادئة لسفينة الدولة في ظلمات البحر اللجي؟
في البداية – من فرط حسن نيتي – ظننت أن الأمر يتعلق بعدم المعرفة.. لكني وجدت أدبيات كثيرة، وتصريحات متواترة، وطنيناً كبيراً وصل إلى مرحلة إنشاء المجلس القومي للتخطيط الاستراتيجي منذ بداية الألفية.. ولكن “نسمع جعجعة ولا نرى طحيناً”.
ثم ظننت أن الأمر ربما ليس في المعرفة، بل في الرغبة في وضع خطة استراتيجية، لكني احترت أكثر، فالخطة تُسهّل العمل وتنتج انتصارات تنفيذية أكثر، بما يساعد هذه الحكومات في إعلاء نظرة الشعب إليها.
بصراحة.. لسنوات طويلة كتبت كثيراً وتحدثت أكثر في مختلف الوسائط، أصرخ وأنادي بخطة استراتيجية.. ولكنها كلها صرخات في وادي الصمت.. ولا حياة لمن أنادي.
لكني أخيراً وجدتها.. (الآن فهمت).. على رأي زين العابدين بن علي.
فهمت لماذا لا ترغب الحكومات السابقة ولا الراهنة في تصميم خطة استراتيجية، وتفضل أن تستخدم الحديث عنها لتزيين صورتها، أشبه بمن يضع الورد الصناعي في مكتبه.. أو من يضع المنديل في فتحة جيب البدلة العلوي ليظهر منه مثلث صغير.
الآن فهمت..
السبب هو أن المسؤولين يدركون أن أفضل بيئة عمل تجنبهم المسؤولية.. هي ألا يكون هناك أي مقياس يمكن أن ينبه الشعب إلى مستوى الأداء التنفيذي.
هنا تصبح الإنجازات الوهمية انتصارات كبيرة على قدر ضجيج المايكروفونات والخطب التي تُلقى أمام الجماهير المحشودة (وليس المحتشدة).
مسؤول يفتتح “مزيرة”، وآخر يحتفل بتدشين إشارة مرور.. وثالث بكشك لـ”ستات الشاي”.. ورابع بمكتب شكاوى.. كلها انتصارات لا يزاحم ضجيجها أي سؤال محرج (ما الذي كان يجب أن يُفعل.. ولم يتحقق حتى الآن).. وهو السؤال الذي سيولد من رحم النظر في الخطة ثم مقارنة الواقع بما هو مخطط له.. بما يؤدي إلى معرفة أن “الفرق شاسع”، على رأي الفنان خلف الله.
تخيّل امتحاناً ليس فيه درجة كاملة.. بكل تأكيد كل ما يحصل عليه الطالب سيكون موضع احتفاء، فلا أحد يعلم ما يجب أن يحصل عليه في حال حقّق الدرجة الكاملة.. إذا حصل على 9 درجات مثلاً.. فلا أحد يعرف هل العلامة الكاملة 10 فيكون متفوقاً بامتياز، أم 100 فيكون فاشلاً بامتياز.
في تقديري الأفضل.. كلما سمعنا مسؤولاً يتحدث عن إنجاز، أن نسأله: كم الدرجة الكاملة؟
ما الذي كان يُفترض أن يُنجز ولم يتحقق قياساً بالزمن الذي تولى فيه المسؤولية..
عندها تصبح الوظيفة العامة فعلاً.. “تكليف لا تشريف”.


