
عثمان ميرغني
كثير من السودانيين، عندما يُسألون السؤال المحيّر: من يجب أن يحكم السودان؟ يبدأون في البحث في قوائم الأشخاص، يرشحون من يظنون أو يأملون أن يحقق مصلحة البلاد. لكن التجارب أثبتت – منذ بداية الحكم الوطني في 1954 حتى اليوم – أن السودانيين لم يجدوا بعد المنقذ المخلص الذي ينتشل بلادهم من قاع الجُبّ، من الظلمات إلى النور.
وفي سياق البحث عن هذا الزعيم المنقذ، كثيراً ما أسمع عبارات مثل: «مطلوب الدكتاتور العادل»، أي الزعيم الذي يلجم الأفواه لكن بلقمة الطعام لا بالحبل.
في تقديري، هذا دليل على اليأس الذي يفضي إلى القنوط والشعور بالفشل. فالدكتاتورية لا تولد عدلاً، ولا يمكن أن يُنجب الظلم صلاحاً للأمة. الأفضل أن نبحث عن «النظام الدكتاتوري».
بالتأكيد ستُفهم هذه العبارة خطأً إذا قُرئت بالصورة التقليدية: أي نظام كابت للحريات، خانق للفكر والتفكير، محرّم للتنظيمات السياسية. لكنني لا أقصد ذلك. كلمة «نظام» هنا أقصد بها «سيستم» (system).
السودان في حاجة إلى «سيستم» دكتاتوري، أي حازم وصارم لا يمنح خيارات عندما تصطدم القوانين بالنزوات الشخصية. دعوني أوضح:
في عهد الرئيس الأسبق جعفر محمد نميري، ظهر هتاف شهير: «أبوكم مين؟» يقوده شخص جهير الصوت فيهتف: (أبوكم مين؟) فيردد الجمهور خلفه: (نميري!) مع مدّ الياء لتنغيم الاسم وتأكيده. وربما كان بعض الذين يهتفون أكبر سناً من نميري نفسه، ومع ذلك يمنحونه لقب الأبوة، كما يفعل المريدون مع شيخهم.
والحقيقة أن نميري لم يكن أباً بيولوجياً لأي فرد من الشعب السوداني، لكن «أبوته» هنا كانت لأنه الأمر الناهي؛ تسير الدولة بتعليماته فحسب، بل بمزاجه إن أراد.
كان دكتاتوراً مكتمل الدكتاتورية: يعيّن الخبراء والعلماء وأساتذة الجامعات وكبار رموز المجتمع بأمره، وإذا ساءه أحدهم – أو تعكّر مزاجه تجاهه – لا يجهد نفسه بأكثر من سطرين تذيعهما الإذاعة السودانية في نشرة الثالثة عصراً، فيلقي بالمعني بالأمر على قارعة الطريق.
يقطع العلاقات مع الدول ثم يعيدها، يعلن الشيوعية ثم يستبدلها بقوانين يسميها «الشريعة»… بمزاجه. يقطع أيدي الناس ويطاردهم ويفضحهم في بيوتهم فيدمر أسرهم، ثم يذيع بياناً ينتقد فيه مثل هذه الممارسات ويدين نفسه بنفسه.
يُلقي خطاباً مهماً للأمة السودانية قبيل سفره إلى أمريكا ليشتم الشعب ويطالبه بالاقتصار على وجبة واحدة في اليوم.
نميري كان يفعل ذلك لأنه يستمد شرعيته من ذاته؛ هو السيد والقانون.
ولم يكن وحده؛ جاء بعده البشير وكال للبلاد بدل الصاع صاعين، وتسنّم الكرسي ثلاثين سنة، ومع ذلك رشح نفسه للمزيد.
المطلوب الآن: دكتاتورية السيستم�يحلّ محل الدكتاتور الفرد. سيستم يحكم ويدير البلاد وفق أسس «دولة القانون».
يولد القانون في حضن المجلس التشريعي، ثم يترعرع في كنف مؤسسات الدولة وعلى رأسها السلطة القضائية. وكلما كبر عمراً ازداد حكمةً وتطوراً مع الزمن.
والجميع سواسية تحت حكم «السيستم».


