عثمان ميرغني يكتب: خطاب البرهان

تفاجأ مواطنو منطقة «مقرات» بولاية نهر النيل مساء أمس بزيارة مفاجئة من رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان. وفي لقاء جماهيري مفتوح عفوي بلا بروتوكولات، ألقى خطاباً مرتجلاً جاء فيه من ضمن ما قاله: «سنقاتل التمرد حتى القضاء عليه، لا عندنا هدنة ولا وقف إطلاق نار ولا عندنا مصالحة معهم. ومصالحتنا واحدة: أنك تلقي السلاح وتمشي تقعد في بيتك. زول يسألك مافي. حتى السياسيين القاعدين برة السودان، الواحد فيهم كان قعد مسك رأسه وقال أنا عايز أرجع، بنقول له: حبابك تعال».
لنبدأ من الفقرة الأخيرة.. لنفترض أن رحلا معارضاً للحكومة ظل خارج البلاد طوال السنوات الماضية متخوفاً من أجواء الكراهية السائدة وهواجس غياب سلطة القانون، قرر أن يعود إلى وطنه السودان ويواصل صوته المعارض وفق القانون والنظام من داخل البلاد. ما الذي عليه أن يفعله؟ هل يكتفي بحجز مقعد في الطائرة ويهبط في المطار بسلام ويعبر بوابات المطار ويعود إلى بيته بضمانات الإعلان الذي صدر في حديث الرئيس البرهان؟
من الواضح أن هذا المعارض سيكون في حاجة ماسة إلى ما يطمئنه إلى أن كلمات البرهان ستنزل عليه برداً وسلاماً في وطنه لو عاد إليه. وبالضرورة، إذا توفرت هذه الضمانات للقيادات السياسية المعروفة، فلن تتوفر بالضرورة لأي مواطن عادي آخر. فكيف يعود هذا المواطن؟ وبأي ضمانات؟
سأعود للرد على هذا السؤال..
في الجزء الأول من مجتزأ خطاب البرهان قال: «سنقاتل التمرد حتى القضاء عليه، لا عندنا هدنة لا وقف إطلاق نار، ولا عندنا مصالحة معهم».
هذا حديث واضح ومفهوم ومقبول.. ولكنه في السياق العسكري الذي يمثله القائد العام للقوات المسلحة. فليس مطلوباً من جيشنا أن يمد يده مسالمة لمن يحمل البندقية حتى يلقيها على الأرض. مهمة الجيش فرض سلطة القانون واستعادة كامل السيادة على كل شبر من أرض السودان. ولن يتوقف عن عمله طالما لم يتحقق هذا الهدف، فذلك تفويضه الدستوري مثل أي جيش لأي دولة في العالم، بل يسنده في ذلك القانون الدولي لحماية سيادة دولة عضو في الأمم المتحدة.
الحديث عن الهدنة والمصالحة يجب أن يكون على لسان جهة أخرى غير الجيش وقائده. ولهذا كتبت كثيراً أطالب بتكوين «هيئة السلام والمفاوضات» تضم خبراء في مجالات النزاعات والدبلوماسية والتفاوض والمخابرات والشؤون الأمنية والدفاعية والاقتصاد والقانون وغيرها. تختص هذه الهيئة بكل ما يتعلق بالسلام والمفاوضات، لضمان تحقيق أهداف الجيش ذاتها ولكن عبر مسارات المفاوضات والسلام والإجراءات التي أشار إليها الرئيس البرهان في قوله «من يضع السلاح من المقاتلين، أو يراجع نفسه من السياسيين في الخارج فمرحباً به». هذه بالضبط مهام تلك الهيئة.
عندما يسألني المحاورون في الفضائيات: «لماذا يرفض الجيش المفاوضات والسلام؟» كنت أرد عليهم: «الجيش لم يرفض ولم يقبل، لأن الأمر أصلاً ليس من اختصاصه. تفويض الجيش أن يحارب لتحقيق أهداف بسط سيادة الدولة على كامل أرض السودان. أما المفاوضات والسلام فهي مهمة جهة أخرى.. ويلتقي الاثنان عند تحقيق الهدف المشترك بينهما».
الجيش وقائده العام (البرهان) مهمته الأساسية عسكرية بحتة: فرض سلطة القانون، استعادة السيادة الكاملة على كل الأراضي السودانية، والقتال حتى إلقاء السلاح أو القضاء على التمرد.
لذلك، لا يُتوقع من الجيش أن يتحدث بلغة “الهدنة” أو “المصالحة” أو “وقف إطلاق النار” بشكل مباشر، لأن ذلك خارج اختصاصه الدستوري والعسكري.
الحديث عن المفاوضات والسلام يجب أن يخرج من جهة مدنية هي (هيئة السلام والمفاوضات) مستقلة عن القيادة العسكرية .

موقع المنبر
Logo