
الكرمك مدينة جميلة تحتويها طبيعة ساحرة وخضرة دائمة خلابة.. تحيط بها الجبال لتصنع خلفية فيها شموخ العزة. مواردها الزراعية والمعدنية، وموقعها التجاري الرابط بين السودان وإثيوبيا، كان كافيًا ليجعلها واحدة من أغنى مدن السودان، ويجذب إليها السياحة المحلية والأجنبية. ولكن.. وما أفجع «لواكن» السودان!
يكاد لا يسمع السودانيون باسم «الكرمك» إلا في الملمات الخطيرة. خلال فترة الثمانينيات احتلت مرتين بواسطة الجيش الشعبي لتحرير السودان بقيادة الراحل جون قرنق، وظلت لعدة أسابيع على ألسنة وخاطر كل السودانيين حتى استعادها الجيش، ثم انزوت عن الأنظار.
في التسعينيات تكررت الوقائع. هاجمتها قوات جون قرنق واحتلتها، وطردها الجيش أيضًا.
قبل كل هذه المعارك، ربما سمع السودانيون أول مرة بها في حادثة الإمام الهادي المهدي رحمه الله، عندما حاول مغادرة السودان عن طريق الكرمك، لكن رصاصة غادرة أصابته، ودُفن فيها إلى حين نقله إلى أم درمان.
بدلاً من أن تكون الكرمك الجميلة وجهة السياح وعاشقي الطبيعة، تحولت إلى مسرح عمليات مستمر لأكثر من أربعين سنة متواصلة، وفي كل مرة يضطر الأهالي للنزوح عنها إلى داخل الوطن نحو الدمازين، في انتظار الفرج الذي ندعو الله أن يكون قريبًا، بطرد القوات المتمردة الفوضوية.
نثق بأن جيشنا السوداني لن يتأخر كثيرًا، وسينظف المنطقة ويعيد إليها الهدوء والاستقرار.. لكن يظل دائمًا السؤال الذي يستغرقني: ثم ماذا؟
كتبتُ نفس هذه الكلمات بعد تحرير «جبل مويا»، وقلت: هل يطويها النسيان بعد أن ضمد الجيش الجراح وطرد منها التمرد؟ أم نصنع فيها الوطن الجديد الذي يستحقه السودانيون؟
الكرمك تستحق وضعًا أفضل كثيرًا مما عاشته طوال عمرها.. ولا يتطلب ذلك كثيرًا. أقل استثمار ذكي قادر على أن يحدث رنينًا كبيرًا، أن تتحول إلى مركز تنمية في تلك المنطقة الحدودية الاستراتيجية المهمة.


