عثمان ميرغني يكتب: وهم المراجعات..

مساء أمس استمعت إلى ندوة إسفيرية تحدث فيها محمد بدر الدين نائب الأمين العام لحزب المؤتمر الشعبي.. أدارها صديق الزيلعي.. بعنوان “المراجعات الفكرية والسياسية للحركة الإسلامية”.. ورغم أنها استغرقت وقتاً طويلاً وتداخل فيها عدد من الشخصيات من مختلف التخصصات.. ما توصلت إليه في النهاية أن مشكلتنا الأساسية في السودان هو فهم هذه الكلمة “المراجعات”.
هناك خلط.. بين السيرة التاريخية المتحولة مع الزمن ومع الظروف المحيطة داخلياً وخارجياً..
و خطايا الفكر و اعوجاج المفاهيم التي تبنى عليها الاعمال.
حزب معين كانت له مواقف في الستينات، ثم تطورت في السبعينات إلى ما يلائم المتغيرات التي طرأت على الدولة والعالم.. وتكرر ذلك في الحقب التالية إلى أن وصل الآن العام 2026..
بالتأكيد؛ هذه التطورات والمتغيرات المرتبطة بمحور الزمن لا علاقة لها بـ”المراجعات”.. وهو أمر طبيعي يسري على الإنسان والنبات والحيوان والمؤسسات والأحزاب وعلى علوم الطب والهندسة وغيرها..
يبدو أن الذي يحتاج إلى “المراجعات” هو نفسه مصطلح “المراجعات”.. حتى لا تسرد المكونات السياسية سيرها الذاتية وتعتبر أن متغيرات تطورها مع الزمن هو ضرب من “المراجعات”..
نحتاج إلى تحديد دقيق لمفهوم المراجعات وآلياتها وشروطها ومعاييرها وما يجب أن ينتج عنها لقياس مدى نجاحها.
المدخل الأهم.. من الذي يجري المراجعات؟ هل هم أعضاء الحزب المعني بالمراجعات؟ أم أطراف خارجة؟ أم خليط من العضوية وخبراء ومتخصصين من خارج الحزب؟
وهل نطاق المراجعات هو المسلك السياسي وحده.. بمراجعة الأحداث والقرارات وما نتج عنها.. ثم الاعتذار أو الاعتداد بها؟
في تقديري أن المراجعات يجب أن تعني الأسس والمفاهيم التي ينبني عليها المكون السياسي، حزباً كان أم حركة. وليس مسلكه وسيرته الذاتية، فتلك صحائف أعمال انقضت لا يجدر مراجعتها بغير ميزان القضاء والعدالة لتكون خاضعة للمساءلة والمحاسبة والعقاب إن كانت هناك أخطاء. خاصة التي تتعلق بالشعب أو بالآخر عموماً.
مثلاً.. لا أفهم أن تقول الحركة الإسلامية أنها في سياق “المراجعات” رأت أن تورطها في الاستيلاء على السلطة عن طريق الانقلاب العسكري كان خطأً كبيراً. وعليه فهي تعد بأن لا تعود لمثل هذا المسلك، فلن تدبر أو تدعم أي انقلاب عسكري.
هذا لا يعد “مراجعات”.. فهو سلوك وأحداث وقعت، ومكانها الوحيد في منصة القضاء لتنبني عليها متطلبات الفعل القانونية، خاصة أن دواعي “العدالة” تتطلب “إنصاف” الضحايا والمظلومين.
في المقابل.. فإن “المراجعات” الحقيقية تختص بالأسس المنهجية والمفاهيم.. مثلاً أن تراجع الحركة الإسلامية فكرها ومنهج تفكيرها.. وتتوصل إلى أنها أخطأت في استخدام لافتة الدين علامة سياسية، لاستثمار القداسة في السياسة. وتنطوي على هذه المراجعة نتيجة مباشرة هي تغيير اسمها والإلغاء لكلمة “الإسلامية”.. لتنافس مثل غيرها على منصة واحدة، بلا حصانة دينية.
مثل هذه المراجعة تتجاوز المسلك وأخطاء الماضي لوضع أساس لمنهج تفكير ينتج عنه حاضر ومستقبل جديد.
“المراجعات” عمل يتطلب كثيراً من الجرأة والصدق والنظرة الحصيفة للمستقبل. وهو ما تفتقر إليه المكونات السياسية التي تجتهد في تبرير أخطائها التاريخية تحت “وهم المراجعات”.

موقع المنبر
Logo