عثمان ميرغني يكتب: بناء “الخرطوم الجديدة”

 

 

كلّ من يعود إلى ولاية الخرطوم – سواء كان نازحاً أو لاجئاً أو من أي موقع آخر في الوطن شردته الحرب – يواجه السؤال الأهم: كيف يستطيع كسب رزقه بما يتيح له الإنفاق على نفسه وأسرته، خاصة في البنود الحتمية مثل الإيواء والطعام والصحة والتعليم وغيرها؟
إن كان يعمل في الحكومة، فهو في حاجة ماسة إلى العودة والحصول على أجر مناسب يتناسب مع تطورات الأسعار وتكاليف المعيشة. وإن كان يعمل في القطاع الخاص أو العمل الحر، فهو أيضاً بحاجة إلى العودة إلى وظيفته أو عمله السابق، أو ممارسة عمل يرغب فيه لأول مرة.

سؤال العودة الرئيسي يدور حول “فرص العمل”. ليكون هذا السؤال في صدارة أولويات المهام المطلوبة من الدولة: أن تجيب بشكل مستمر عن عدد فرص العمل المتاحة.

سأكون منبهراً لو سمعت والي الخرطوم – بعد أن يخلع الزي النظامي الذي يصرّ عليه – يلقي خطاباً مكتوباً أمام أي جهة رسمية أو شعبية، فيقول:�«لقد وفّرنا خلال العام الماضي 50 ألف فرصة عمل».�ولا يهم الرقم بحد ذاته، المهم أن يكون هناك اهتمام وحساب دقيق لهذا المعيار.�أو أن نسمعه يتحدث عن خطة الحكومة للعام الحالي فيقول:�«نخطط لخلق 100 ألف وظيفة في القطاعين العام والخاص خلال عام 2026».�ومرة أخرى: لا يهم الرقم، الأهم هو الاهتمام والحساب المنتظم لهذا المعيار الحيوي.

من المثير للدهشة أن تظل الحكومة تتحدث عن رغبتها في عودة المواطنين إلى ولاية الخرطوم دون أن تفكر يوماً في هذا المعيار المهم الذي يُعدّ واحداً من أبرز عوامل الجذب للاستجابة لدعوات العودة.
وهذا بالضرورة يفتح الباب لسؤال أعمق وأوسع:�
ما هي المعايير التي نستطيع من خلالها مراقبة أداء الحكومة بصورة مستمرة؟�في كل المستويات: بدءاً من رئيس الوزراء، ثم الوزراء، ثم ولاة الولايات، ثم وزراء الولايات، وصولاً إلى مدراء الإدارات الحكومية.
المعايير التي أقصدها تشبه درجة حرارة الإنسان؛ تتطلب قياساً ومتابعة مستمرة، لأن أي اضطراب فيها يؤدي إلى اعتلال الجسم. وبالمثل، للدولة – كالإنسان – مقومات حياة ومعايير صحة ينبغي مراقبتها باستمرار.
في تقديري، أهمية هذه المعايير تكمن في أنها تضع تحدياً مستمراً أمام كل مسؤول ليستشعر قيمة الزمن والحاجة الماسة إلى إنجاز ملموس، بدلاً من الاكتفاء بالهتافات والانتصارات الصغيرة الهامشية التي يُجند لها إعلام كثيف يحجب النظر عن رؤية الخلل الحقيقي في جهاز الدولة.

موقع المنبر
Logo