
فجعت البلاد اليوم ، بوفاة أحد أبطالها الكبار الفريق أول فاروق علي محمد ، الذي يُعد من أبرز قادة القوات المسلحة ، ومن الخبراء الاستراتيجيين القلائل الملمين بمعارف واسعة وتدقيق في الصراعات الدولية وقضايا الأمن القومى و العلوم العسكرية ومتابعة تطورات الأوضاع في عالمنا المضطرب .
نعته القوات المسلحة ، و ترحم عليه رفقاء السلاح وزملاؤه والأصدقاء الكُثر وتلاميذه و إخوانه و عارفو سيرته وأفضاله بكته القلوب المفجوعة برحيله ، فهو قائد فذ وعسكري صميم وهب حياته للجندية ، سلك نهجاً عسكرياً محترفاً ، وكان عميق الغور في مجالات العمل العسكري والفكر السياسي الاستراتيجي ، توفر علي تجارب واسعة دارساً ومدرساً في أرفع الكليات العسكرية وعمل في مجالات تدريب مع أكبر الجيوش في العالم بالولايات المتحدة وألمانيا والصين ومصر والعراق وكان منسقاً ومشاركاً في مناورات النجم الساطع وعدد من المناورات العسكرية الدولية ، قاد العمليات العسكرية كنائب لرئيس الأركان إبان معارك صيف العبور حتى تقاعده في 1996، ليبتعث سفيراً للسودان في العراق ايام الرئيس صدام حسين ثم سفيراً في كينيا ..
عرفته من سنوات طويلة، وجمعتنا مجموعة منتدي أسبوعي إمتدت من 2007 حتى 2019 في منتدي أسبوعي ضم قيادات سياسية وعسكرية وإعلامية ومثقفين ومفكرين وأكاديميين بالخرطوم ، كان هو رئيس المنتدي الذي يعقد كل اسبوع بمنزل اللواء طيار عبد الله صافي النور بالطائف ، وينتقل احياناً لمزرعة الفريق اول شرطة عمر الحضيري واحيان أخري يعقد المنتدي بمنزل رئيسه الفقيد الفريق أول فاروق .
لم تلتفت الأنظار فقط إلي صرامته العسكرية وانضباطه الحازم وتلك سمة بارزة فيه لا تغادره أبداً ، إنما لفت نظرنا جميعاً إنضباطه و إلتزامه معايير دقيقة وعلميّة في التحليل والتعاطي مع المعلومات ومصادر الاخبار والمعرفة ، كذلك اتساع مداركه واطلاعه ، ولم أجد في حياتي إلا قلة قليلة من الناس تهتم بشغف وإجتهاد لمتابعة وقراءة كل ما يصدر من كتاب مفيد ومرجع عزيز او يطاردون معلومة وحقائق جديدة ، الفريق أول فاروق واحد من هذه الثلة ، يقرأ باللغتين العربية والإنجليزية لا تسمع بكتاب جديد او مجلة علمية أو سفر من الأسفار صدر حديثاً إلا وكان بين يديه وحدثك عنه وأفاض.. ظل بعيداً عن مساقط الأضواء ، لا يحب الظهور كثيراً ، يعاف المنابر والظهور علي وسائل الإعلام ، له نفس عزيزة ، وجبهة عالية ترفض الضيم وصغائر الأمور .
كان مثل البحر بلا ساحل ، موسوعة علمية لا تنضب ، سمات قيادية تشع بالحسم والجدية والصرامة فهو لا يجامل في خطأ ولا يخادع في موقف ، ولا يتراجع عن رأي إقتنع به ، كل ذلك مع لطفٍ و إحترام للآخرين ، مع ترفع عن الصغائر وكبرياء في غير تعالٍ او كِبر …
كان كتاباً لك ندرك فيه إلا غلافه ، بين دفتيه تجربة طويلة و تاريخ للقوات المسلحة والدبلوماسية يمشي علي قدمين ، لم نغترف منه الكثير ، وكنا على وعدٍ ان نلتقي بعد ان تضع الحرب أوزارها ، وتهدأ من النيران أوارها ، ونعود الي بلدنا سالمين غانمين ، وظل هو في القاهرة يكّتم لواعج حب الوطن قد بري جسده وارهق قلبه ، يحدث نفسه بالعودة الي بيته بامتداد الدرجة الثالثة بالخرطوم والعودة اصدقائه ومكتبته وحياته العامرة بالعلم والمعرفة ، فخان الجسد كل تلك الآمال ، ورحلت محلقة في المدرات العُلي روحه الأبية الطيبة الزاهية ، عله الان في مقعد صدق عند مليك مقتدر … و فقده هو فقد للسودان جميعا وللقوات المسلحة و لأصدقائه الخُلص وتلامذته المفطورة أفئدتهم حزناً ، وكذا فليجل الخطبُ وليفدح الأمر….
رحمه الله رحمة واسعة وجعله في عليين مع النبيين والصديقين الشهداء، إنا لله وإنا إليه راجعون.


