عبد اللطيف البوني يكتب: الخطاب المفقود …

الانقلابات وضحاياها ما أكثرها في السودان ..غزو للسودان من الخارج في الأطراف أو حتى العاصمة حدث من قبل ذلك فيما اصطلح عليه بغزوة المرتزقة ١٩٧٦ وخليل إبراهيم ٢٠٠٨ ..أحداث شغب وقتل في الشوارع حدثت عند زيارة محمد نجيب للسودان ١٩٥٣ والأحد الأسود نوفمبر ١٩٦٥ ويوم اغتيال جون قرنق …تعدي الجنجويد على دارفور حدث في ٢٠٠٣ …ولكن ان تاتي قوة منظمة وباحدث انواع الأسلحة وأكثرها فتكا وتدخل على الناس في بيوتهم وتشفشفها وتطردهم منها وتقتل وتغتصب وفي قلب العاصمة وفي قلب السودان …فهذا هو الجديد الذي لم يتكهن به احد ولم بكن على بال أكثر الناس تشاؤما …حوالى الثلاثة عشر مليون نسمة نزحوا من ديارهم …ليتفرقوا داخل وخارج السودان .. .لا جهات دولية تعينهم ولا جهات رسمية تسندهم ..اللهم الا النذر اليسير… فالخارج متامر اما الرسمي فحيلته قليلة …لا نود ذكر الفساد هنا وهناك ففي اي حرب هناك مستثمرون ..المهم هذا الحراك البشري المزلزل الهائل والذي قد يكون لا مثيل في العالم قد افرز إدارة من داخله …بمعنى ان هناك أناس كانوا يديرون شئون الآخرين في حلهم وترحالهم …بعبارة ثالثة كانت هناك قيادات افرزتها المحنة …كما أن ذات المحنة افرزت واقعا جديدا وافكارا جديدة لابل نظرة للكون جديدة… ومشاعر واحساسيس جديدة
(٢)
قصدت القول ان هذة النكبة افرزت قيادات مجتمعية جديدة …واظهرت طاقات جديدة …وشكلت واقعا جديدا وفكرا جديدا …وهذا يتطلب من متخذي القرار وقبلهم صانعي القرار ان يدركوا هذا الواقع الجديد… وبعد ذلك يضعوا الخطط والاستراتيجيات للتعافي ومن ثم الانطلاق …فهل حدث هذا ؟…للأسف الشديد ان دولة ما قبل الحرب بدات تطل من جديد ..وهذة هي الدولة العميقة جد جد…فزعامات الإدارة الأهلية ظهرت لتمارس انتهازيتها باسم حماية القبيلة …الجبايات وصفافير الطريق عادت بقوة …موظف الدولة المرتشي عاد اكثر نهما …الحكام الذين يبيعون الكلام (وجهنا …وجهنا…) مازالوا في ضلالهم بعمهون …..السياسيين الذين يتصارعون على الحكم ظهروا بصورة أكثر سعارا … وكل يفسر المتغيرات على حسب هواه وليس كما هي حاصلة …الكل يريد أن يطوي صفحة الحرب ليواصل ما كان عليه ولكن بالطبع هذا مستحيل… فحدث مثل الحرب لايمكن تجاوزه…. لابد من قراءته بتمعن ثم التصرف على معطيات تلك القراءة… انظروا ماذا فعلت الإدارة الانجليزية بعد كسرة كرري ..استجلبوا علماء الاجتماع والسياسة وطالبوهم بقراءة الواقع ثم وضع الخطط وكيفية تنفيذها …ثم شرعوا في التنفيذ ليشهد السودان استقرارا لأكثر من نصف قرن لم يشهده من قبل او من بعد …طبعا استقرار لمصلحتهم …حققوا بغيتهم من السودان بخطة موضوعة بعد دراسة …كانوا لا يعرفون العشوائية ورزق اليوم باليوم ولا (المال ما بهكم أكان كتر أو راح)
(٣)
علي قادة الأحزاب وكل الناشطين والمتطلعين للحكم…. ان يتركوا الشايلنوا …ويتجهوا لهذا الشعب ليروا ما استجد عليه من واقع مادي وفكري… ليفهموا تطلعاته ويعرفوا ماذا يريد … ثم يبنوا برامجهم على ذلك …على الأحزاب المتطلعة للحكم ان تغير جلدها مع التغيير الذي حدث للشعب ..ان برامجهم القديمة… هذا اذا كانت لهم برامج لم يعد لها مكانا من الإعراب .. البضاعة السياسية القديمة… كيزان …قحاتة …يمين ..يسار… علمانية …دين ..مركز ..هامش …طبقة راسمالية …أخرى عمالية لم تعد مبرئة للذمة ..إنها عملة اهل الكهف …لحسن الحظ ان هناك دراسات اجتماعية واقتصادية وسياسية قيمة قامت بها جماعات أكاديمية ومراكز بحوث.. ولكن الأهم يمكن توظيف الباحثين و المتخصصين والاكاديميين والمستنيرين في وضع الخطط وبرامج العمل.. وليبدأ ذلك بإنهاء الاستقطاب السياسي ومن ثم التوجه لما ينفع الناس …الله يقطع طاري التفرغ السياسي الفارغ من اي برنامج عملي غير شتم الاخر
(٤)
اما عنوان المقال فهو ماخوذ من كتاب للأستاذ الراحل حسن ساتي الذي كرسه لمؤتمر باندونق ١٩٥٥ ..حيث اجتمع زعماء اسيا وأفريقيا ومثل السودان فيه الزعيم إسماعيل الأزهري …وخاطبه الزعيم الهندي نهروا … وقال لهم أنني أراكم مستعجلين لحكم شعوبكم خلفا للمستعمر …فماذا في جعبتكم لتقدموه لشعوبكم ..؟هل تظنون ان التركة الاستعمارية خفيفة ؟ هل تظنون ان الحكم نزهة لاتحتاج الا لربطة عنق وبدلة ؟ …عليكم دراسة واقع شعوبكم لتروا ماذا فعل المستعمر بها .. عليكم معرفة تطلعاتها …لا تستلفوا مناهج ولا أفكار الآخرين لأنها لا تلائم لشعوبكم …ان ما ينتظركم كثير ..(انتهى)

موقع المنبر
Logo