
تقول الاسطورة انه عندما القي سيدنا إبراهيم في النار …جاءت الضفدعة وأخذت تبصق فيها بنية اطفائها …. ثم جاء الضب واخذ ينفخ فيها بنية اضرامها … فقيل لهما ان جهدكما هذا ليس له أدنى أثر الا إرهاق لكما… .فقالت الضفدع ن اريد ان اعبر عن حبي لإبراهيم…. وقال الضب اريد ان اعبر عن كرهي له ..لذلك يقولون الضب خصيم الرب ..
لعل هذا يتقارب مع العبارة الشائعة بذل “جهد المقل”…
وهذا يذكرنا بالحوار الذي تم بين الرئيس السابق جعفر نميري …والأستاذ عبد الخالق محجوب… وكان هذا الأخير مصفدا وذاهبا للمقصلة بعد فشل انقلاب يوليو ١٩٧١… فكان من ضمن اسئلة نميري له ماذا قدمت للشعب السوداني … أجاب عبد الخالق “شيء من الوعي”
لعل سيد شعراء العربية ابو الطيب المتنبي قد لخص نسبية القدرة في قوله الذي سارت به الركبان
لا خيل عندك تهديها ولا مال
فاليسعد النطق ان لم يسعد الحال
اما مناسبة هذة “الرمية” هو أن أحد القراء الأعزاء بعدالاطلاع على سلسلة المقالات الأخيرة التي نشرتها عن سد النهضة سالني ” انت شايت وين ؟” ولماذا لم تقل ما قلت في عهد الإنقاذ ؟ وما فائدة ما تقوله الان ؟
(٢)
في اعتقادي ان الصحفيين “مجمل الصحفيين” عندما كانوا يسودون الصحائف باقلامهم …والان يزحمون الاسافير بمنشوراتهم يوجهون خطابهم لمجمل الراى العام… وللراى العام قدرة نسبية لاحداث تغيير …على حسب الأحوال السياسية السائدة… كما أن خطابهم موجه بدرجة أقل لمتخذ القرار …صناعة وتنفيذا..وبعد ذلك ليسوا مسؤلين عما يحدث ..لان ما صدر أصبح ملكية عامة بغض النظر عن قبوله أو رفضه ..ولا أظن أن كاتبا في الدنيا يظن ان لديه القول الفصل… أو يدعي انه المؤثر الأكبر في صدور اي قرار …فطالما انك كاتب فسقفك محدود . ولكن لا يعني هذا انك لست مسؤلا عما تقول .والمسؤولية هنا مسؤلية أخلاقية امام ضميرك في المقام الأول… ثم امام الرأي العام .أما دينيا فإنما الأعمال بالنيات… .لان الكتابة ليست من الشعائر التعبدية وهي من المصالح المرسلة حسنها حسن وقبيحها قبيح ..
(٣)
عندما ظهرت فكرة سد النهضة وجدتني كاتب عمود يومي وبنفس هذا المسمى متنقلا به في عدة صحف يومية …..فتابعت مراحل قيام السد ولو جمعت المقالات الذي كتبتها في شانه سوف تنشي كتابا ان لم أقل مجلدا… .كان رأيي واضح وهو انه من حق إثيوبيا ان تنشيء هذا السد وغيره …وهذا الحق مكفول للدول الثلاثة التي يضمها حوض النيل الأزرق… شريطة ان يتم كل ذلك بتوافق تام بمبدأ لا ضرر ولا ضرار… كما تنص كل القوانين الدولية المتعلقة بالانهار المشتركة.. ..وان سد النهضة بالنسبة للسودان فيه فرص وفيه مخاطر وان الطريقة التي تنفذ بها إثيوبيا سد النهضة خطرة على السودان وعلى مصر … وان هذا السد قابل ان يكون أداة سياسية ..وان موقف البلدين تجاه السد قد توحد تلقائيا …واذكر انه بعد توقيع اعلان المبادى في ١٥ مارس ٢٠١٥ بين الرؤساء الثلاثة البشير والسيسي وديسالين .كتبت قائلا ان البلدين قد شربا المقلب… وان إثيوبيا سوف تنفذ السد بصورة أحادية …وان الاجيال القادمة في البلدين سوف تدفع ثمن هذة “الدقسة” الرئاسية …وكان عنوان المقال ..”يوم اسود في تاريخ وادي النيل”
(٣)
دعاني السيد معتز موسى الذي كان وزيرا للرى لمكتبه واجلسني مع عدد من مهندسي الوزارة… وكان رايهم ان السد مفيد جدا للسودان وان تقليل لا بل تجاوز مخاطره ممكن .. وكنت مصرا على رأيي بأنه لا ينبغي التقليل من المخاطر على مستقبل البلاد..ودفع المضار مقدم على جلب المصالح .. .اشهد بأن اللقاء كان وديا …وبالنسبة لي مثمرا إذ علمت منه بعض الحقائق الفنية ولكن رأيي ظل كما هو…
مع مجموعة محدودة جدا من الصحفيين تلقيت دعوة من السفير الإثيوبي بعد اعلان المبادى أيضا… فحدثنا عن متانة العلاقات بين البلدين وعن أهمية السد بالنسبة لهما وعندما واتتني الفرصة قلت ان النوايا الطيبة الحالية لا تضمن المستقبل… والعهود والمواثيق الملزمة هي التي ينبغي التعويل عليها.. .واشهد بأن الرجل كان ودودا واسع الصدر وان اللقاء كان طبيا ولكنه لم يغير فكرتي عن السد …
(٤)
الان وقد أصبح السد حقيقة قائمة …كان لابد من أن تتغير طريقة تناولي له …لذلك دعوت لاتفاق البلدان الثلاثة …وانه لابد من التعايش السلمي بينها … انه يمكن تدارك الكثير من الأخطاء الإجرائية التي صاحبت قيام السد.. .وان التنسيق بين السودان ومصر امر حتمي وليس اختياري .. لتغيير النهج الاحادي الذي مازلت تسلكه إثيوبيا ..وان السودان يتفق مع إثيوبيا في بعض النواحي.. ومع مصر في نواحي أخرى… لذلك يجب على البلدين أن ينظرا للسودان كواسطة عقد يجمع بينهما وليس فراغا يتنافسان عليه ..
كل هذا مع علمي التام ان ما أقوله يمكن أن يكون بندق في بحر ولا يابه به احد ولكنني اتبع نهج الضفدعة والضب واحيانا افكر في أثر الفراشة … واتطلع لما قاله عبد الخالق وان جبتها وارمة اقول اقتداء بالمتنبي …وكما يقول المثل السوداني …المراويد هدن جبل الكحل…فلا تحقرن من المعروف شيئا ….وعلى الله قصد السبيل ..


