عبد اللطيف البوني يكتب: ” لابديل لود الفيل “

طوال حقبة الثمانيات ومطلع التسعينات من القرن الماضي … وعلى مدى سنوات متتالية … وعند اعلان نتيجة الانتقال من المرحلة الابتدائية الي الثانوية العامة بمركز كاب الجداد… تنطلق العربات القادمة من كاب الجداد الي قرية اللعوتة لتجوب القرية طولا وعرضا.. حيث يخرج كل الاهالي في استقبالها ويجري البعض خلفها … والهتاف يشق عنان السماء ” لابديل لود الفيل ..لا بديل لود الفيل” …فالحاصل ان مدرسة القرية قد احرزت المركز الأول على مدارس المنطقة… واغلبية العشرة الأوائل في المركز كانوا منها …أما ود الفيل فهو الاستاذ عثمان أحمد عبد الله الفيل ….الشهير بعثمان الفيل مدير المدرسة طوال تلك السنوات الذي انتقل عن دنيانا يوم الاثنين ٣١ أغسطس المنصرم …لقد كان استاذنا عثمان رحمة الله رحمة واسعة وجعل قبره روضة من رياض الجنة … مدرسة قائمة بذاتها في الاداء الأكاديمي و التربوي… مدرسا ومديرا ومشرفا ..تعرفه كل منطقة شمال الجزيرة وبقاع أخرى من السودان …كان حريصا على الضبط والربط والنظام …لا يتسامح مع أي تقصير … .كان من أنصار مدرسة الصرامة والجدية … وان هناك مسافة بين الاستاذ والتلميذ يجب الا تتلاشي … وكان يلزم نفسه بكل ما يؤمن ويدعو اليه … وكان يؤمن بالعقاب البدني (الضرب يرفعهم والعلم ينفعهم) كان يفعل كل ذلك بفهم عميق… ويدافع عن وجه نظره بحجج واسانيد قوية ..
(٢)
الاستاذ عثمان الفيل بالإضافة لانه رجل تربوي عظيم …فقد كان رمزا اجتماعيا من طراز فريد.. .كان يتقدم الناس في الواجبات الاجتماعية في القرية وفي القرى المجاورة… لذلك كانت شعبيته كبيرة جدا وسط الاهالي وخاصة معلمي المنطقة … تقديم واجب العزاء في الكبير والصغير وفي كل المنطقة كانت عنده من الأساسيات… منذ أن فتحنا اعيننا وجدناه متصدرا للعمل العام في القرية ..كل لجان المنشآت والأعمار في القرية كان هو من اقطابها ….ضيوف القرية كان أول من يستقبلهم واخر من يودعهم.. .أما التدافعات والمشاكل بين الأهل فهو حلالها الذي يجيد التعامل مع كافة متناقضاتها… لمعرفتة الدقيقة بالطبيعة البشرية النابعة من مهنته ..ونحن في مراسم دفنه قال لي صديقي عثمان عوض الكريم ..أي مهمة يتصدي لها الراحل تمشي فيها باطمئنان شديد وانت مرتاح وواثق من انها سوف تنتهي على احسن وجه …واختتم تعليقه اها وين تاني نلقى لينا عثمان فيل ….
( ٣ )
أكثر ما قربني للأستاذ عثمان هو العمل العام في القرية… ولمدة عقود من الزمان… وكان اولها مطلع الثمانيات في مشروع كهرباء القرية… .وقد قام هو بحنكته بإزالة حاجز الرهبة الذي صنعته ايام التلمذة وفارق العمر فاصبحنا أصدقاء … فكنت اقول له الرهبة الدخلتها فينا ونحن تلاميذ ما كنت أظن انها ستخرج ويجي يوم اتنوس معاك عادي…. فكان يرد بأنها ليست رهبة بل حبة وقاية خلتكم تمشوا عديل ..ثم يحكي نوادر الذين لم تفارقهم الرهبة منه بعد أن أصبحوا جدودا …وعن الذين أصبحوا من أصدقائه الخلص …اما تلاميذه الذين أصبحوا قامات مهنية كبيرة و الذين احبوه واحبهم وحملوا له تقديرا خاصا وكرموه ورفعوه لدرجة تكاد تلامس القداسة فيسدون عين الشمس ..كنت اناقشه احيانا عن العقاب البدني إذ أن وجهة نظري مختلفة عنه فكان يدافع عنه بضراوة …كانت وجهة نظره ان ذلك النوع من العقاب ليس مرتبطا بالتحصيل الأكاديمي إنما موجها للحياة العامة …. ويضرب لك مثلا ببعض الأسماء بأنها لو درست في المدرسة وتعرضت للعقاب لما كانت الان لما عليها من جنوح …ويذكر لك اسماء لولا عقاب المدرسة لكانوا اليوم رباطة فتضحك مل شدقيك …فأجني ذات يوم بالقول انت ماشي بعيد مالك انت ابوك حاج محمد رباك كيف ؟ مش كان صارم معاك حتى رحيله مع انه كان لين الجانب مع كل الناس و يضاحك كل الدنيا ..
(٤)
برحيل استاذنا عثمان الفيل وقبله بيوم رحيل استاذنا عبد الرؤف عبد الرحمن القريش ..زميله وصديقه تكون قد انطوت صفحة خالدة من صفحات السودان البيضاء ..وقد اقتضت إرادة الله أن يودعا الحياة والسودان بعد عاشا احلى ايام السودان …ثم عاشا أسوأ ايام السودان من نزوح وتشرد وموت ودمار ..ولعل في ذلك مزيدا من الثواب لهما… فاللهم تقبلهما عندك قبولا حسنا.. واجعل مسكنهما في أعلى الجنان مع الصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا … وارحمنا اذا ما صرنا إلى ما صاروا إليه

موقع المنبر
Logo