
قولاً واحداً: ما كان لها أن تبلغ هذا العمر من السنوات الثلاث، ولا حتى ثلاثة أشهر، وربما أفاجئكم أكثر وأزيد: ولا ثلاثة أسابيع. لو توفر لها ما يكفي من خراطيم الإطفاء وأدوات خنق الأكسجين عن الحريق. وما أكثرها!
هي حرب سياسية بامتياز، بدأت خيوطها الأخيرة التي قادت إلى الانفجار بخلافات سياسية كان بالإمكان احتواؤها والسيطرة عليها، ووضعها في المسار الطبيعي لأي خلاف سياسي سلمي. لكن سوء إدارة المشهد السياسي فاقم هذه الخلافات. وبعد توقيع الاتفاق الإطاري دخلت الأزمة السياسية مرحلة جديدة مختلفة كلياً. لم يكن نص الاتفاق الإطاري هو المشكلة، بل كلمة طفرت فجأة إلى المسرح السياسي: (الإغراق)، والتي تعني أن الدخول إلى نادي التوقيع على الاتفاق ليس مفتوحاً للجميع.
ودون الاستغراق في التفاصيل، أفضت هذه الخلافات إلى استقطاب واسع وحاد بلغ أشده عندما انتقل إلى المساق العسكري.
انقسم الشق العسكري في مجلس السيادة بين الطرفين المدنيين، وبدأت حملة خطاب سياسي تتفاقم كانت تنطلق من منصات المناسبات الاجتماعية. ثم تفرج الشعب السوداني والعالم بأسره على مشاهد التحشيد العسكري. الدعم السريع، الذي كان حتى آخر لحظة يتلقى مرتبات جنوده من الخزينة العامة للدولة، ينقل الدبابات من أطراف دارفور إلى قلب العاصمة الخرطوم، استعداداً علنياً لمسرح القتال.
ثم إطلاق صفارة البداية الحقيقية بحشد قوة كبيرة من الدعم السريع في مروي.
لم يتفاجأ أحد صباح السبت بانطلاق المدافع واتساع المواجهات بسرعة فائقة في مناطق واسعة داخل وخارج ولاية الخرطوم.
ولأن السودانيين تعودوا على الأحداث السياسية التي تتحول إلى مواجهات عسكرية، وآخرها كانت حملة حركة العدل والمساواة لاجتياح العاصمة في مايو 2008، فقد تصور الجميع أن الأمر لن يستغرق إلا سويعات، وربما يوماً أو يومين. وفعلاً كان بالإمكان أن ينطفئ الحريق في أقل مما توقع أكثر المتشائمين.
لكن، وما أفجع “لواكن” البلد الملكون دائماً…
من حيث كان منتظراً أن تتحرك عربة المطافئ، جاءت شاحنة وقود لتزيد النار اشتعالاً..
أعني بالتحديد القطاع السياسي الذي كان سبباً في هذه الخلافات، وأخفق في إدارتها. كان بوسعه أن يتحرك في الاتجاه الصحيح ويقطع الأكسجين عن الحريق..
بمعادلة بسيطة وسهلة: المواجهة بين الجيش الذي يمثل الدولة والسيادة والشرعية… وقوة تمردت عليه كانت جزءاً منه وتتلقى تمويلها من الدولة..
لو أعلنت القوى السياسية قاطبة، ومن أول يوم، أنها تقف مع الشرعية وترفض التمرد على الجيش والدولة.. لما سقط مئات الآلاف من الأنفس البريئة، وسالت الدماء، وفقدت الأسر أحباءها، وتدمرت البيوت والمقار الحكومية والبنى التحتية، وفقدت الأموال والممتلكات، وتشرد أكثر من نصف شعب السودان بين نازح ولاجئ..
اختارت قوى سياسية أن تمد الحريق بمزيد من الوقود، وتدعم التمرد برفع شعارات سياسية تمنح الحرب غطاءً كان كافياً ليجعلها تدخل سنتها الرابعة اليوم..
واليوم، عملاً بمبدأ “وداوني بالتي كانت هي الداء”.. يجب أن تتحرك السياسة لإنهاء الحرب.. الحوار والتسوية السياسية هما القادران على إنهاء هذه المأساة الطويلة بأقل جهد وزمن ودماء..


