
في نزوحي من السودان إلى مصر بتاريخ 7/ مايو 2023 كنت وحيدة في تلك الرحلة البرية التي تبدو رحلة إلى المجهول بجواز سفر صلاحيته قد انتهت ولا أحمل نثريات مالية غير التي في تطبيق بنكك الذي كان يعمل ولا يعمل وقتها !!.. ولكن كعادتي مع الحياة إذا عزمت فتوكل على الله.
خرجت وفي خاطري مهام عديدة يتوجب عليّ القيام بها ومخاوف مثل الجبال الرواسي قد لا أرى السودان مرة أخرى.. قد لا أرى أهلي .. قد أصبح بلا هوية بلا وطن بلا أي شيء للأبد .
كنت حزينة بالقدر الذي جعل فؤاد أم موسى خاويا و أيوب تبيض عيناه من الحزن ( فهو كظيم ).. فلايوجد مقياس لدرجة انفجار وطن بداخله كل شيء!!..
وفي كل خطوة لذلك الباص الضخم كنت أجتر شريط حياتي لهو الطفولة كفاح الصبا جد الشباب وخيارات النضج التي كانت تتمنع على هجر الوطن والفرص المهدرة على قارعة الطريق للعيش في مكان آخر ولسلك حياة مرفهة بعيدا .. ومرت عليّ كل تلك الحفريات الشاقة التي كنت أظنها قادرة على الخلود .. على خلق تغيير ما ..على البقاء الناصع .. ثم قاطعني صوت أجش هامس ( كل مامضى قد مضى ماذا عن الآن ..؟!) اعتدلت في جلستي قليلا ثم راقبت وجهي على زجاج النافذة كان يعتصره الحزن وسرعان مادارت الأحاديث وتوالت المحطات وإكرام أهالي المناطق التي مررنا بها وفي ذلك بعض من مواساة حانية بلا ريب .
ثم وصلنا إلى مصر التي استقبلتنا في معبرها بحنو كان بعض الشباب يقفون على باب صالة الاجراءات وفي معيتهم مياه وعصير وحلوى وكنت أتجنب النظر إلى الوجوه فقد كنت ولازلت مصابة بالتهاب مشاعري حاد لايكاد يتعثر بشيء إلا وينكفئ!
هاقد وصلنا إلى عابدين أخيرا أخذت حقيبتي واختبأت في محل صغير يخص أحد شركات الشحن لأتوارى عن أنظار (نوال علي) التي تعرفت عليها أثناء الرحلة وكانت وسط سرب من أهلها وصديقاتها وكانت تصر أن أنزل معهم لأتناول وجبة الغداء ثم أنتقل إلى مقر إقامتي
لتداهمني داخل المحل وعدتها بأنني سوف ألتحق بهم إن شاء الله في محاولة للتخلص من إصرارها المحكم الذي كان يشعرني ببعض الضيق لتخرج ويمضى بعض الوقت ثم تعود مرة اخرى دون أن تتحدث معي فقط اخذت حقيبتي وركضت وراءها لتلقي بها في عنف على رأس التاكسي الذي سيقلهم إلى منزل قريبتهم ذهبت معهم على مضض وسرعان ماذوب الإكرام وحشتي ..ثم أصرت نوال ألا تتركني وحيدة وأن ترافقني في رحلتي الشاقة للبحث عن سكن استمرت رحلة البحث حتى ساعات الصباح الأولى كانت الوحيدة التي بجانبي وأنا أغالب الدمع حينا فأحبسه ويغلبني حينا فينهمر كانت الشاهدة الوحيدة على لحظات الضعف الإنساني التي لم يراها أحد إلاها !
لا أعرف كيف اتكأت عليها دون أن أعرفها ؟!! رغم أنه لم يدر بيننا حديث طويل غير بعض المجاملات والتعارف السريع في الباص أنا ( نوال علي من كسلا شغالة حنانة في الإمارات ) .. وسجلت معها جزءا من توثيقي للرحلة وغنت بصوت عذب ثم رفضت أن تتركني بعدها !
أقمنا معا لأيام كانت تقوم فيها بخدمتي وكأنني ابنتها .. ونتشاجر كل صباح لأنها تستيقظ باكرا وتخبر الدنيا أنها هنا وعلى الكون أن يتأهب لاستقبالها !! .. ثم نتصافى على وجبة الإفطار ونعود آخر اليوم نموذجا للتماهي المطلق !.
ولكن بعد أيام حضر جزء من أسرتي وعادت إلى أقاربها ثم إلى الإمارات و ما أخذته من قلبي لم يعد !
فقد يبلغ المرء بصدقه مبلغا لم يبلغه بشر غيره .
ويبقى حظها في الشعور دفيء♥️🌹♥️


