عبد اللطيف البوني يكتب: يوم مختلف في السريحة ….

الخميس ٢١ مايو ٢٠٢٦ ..انت الان تقف خاشعا أمام مقبرة شهداء السريحة ويافطة مكتوب عليها ٢٥ أكتوبر ٢٠٢٤ حيث دفن ١٥٦ شهيدا في ذلك اليوم .. أولئك الذين تصدوا للعدوان بصدورهم المكشوفة مقبلين غير مدبرين…. ثم توالى الدفن في الأيام التي تلت حيث كان القتل في البيوت … وبدم بارد الي ان وصل عدد الشهداء ٥٤٣ حسب إحدى الروايات … والاسماء مسجلة في النصب التذكاري الذي اقيم تخليدا لذكراهم .. …هنا انت ترى الابادة الجماعية ..ترى جريمة الحرب …ترى الجريمة ضد الإنسانية … ولكن لا اعلام عالمي ولا إقليمي ولا حتى محلي لها …لا محكمة خاصة ولا عامة ولا محكمة جنائية دولية ولا امم متحدة ….فقط تسمع اسماء نكرات مثل شارون وقجة …ولك أن تتساءل من الذي أعطاهم الدوشكات والتاتشرات و الصراصر …اقسم لي أحد الذين قاموا بالدفن ان بعض الأجساد التي وريت تحت الثرى كان لونها ابيض ساعة الدفن ..مما يشي بأن هناك سلاح غير ناري تم استخدامه …ان ما حدث في السريحة سيظل جريمة معلقة في رقبة الإنسانية ان كانت هناك ثمة إنسانية
(٢)
تخرج من المقابر بعد الترحم والدعاء و التبرك …لتجد انك في قرية تمور بالحياة …قرية مخططة جميلة…تقف ماذانها وبيوتها شامخة …الأطفال يلعبون في الطرقات ….سائق كارو قادم من سوق القرية …في السوق البائع يسال المشتري تتدفع ببنكك ولا عندك عملة جديدة ؟ ..وامراة تحمل فطورا الي خارج منزلها …وثلاثة مزارعون يتحدثون عن وعود محافظ المشروع الفالصو ..قال باكر بتجيكم الكراكات هسي أربعة اسابيع ما شفنا حاجة …نزرع ليهم كيف ؟ …طاحونة تعمل …قدرة فول امام دكان … البيارة شغالة …عربة صغيرة بها أسرة صغيرة اغلب الظن انهم مغادرين القرية …الكهرباء العامة واصلة ولكنها كثيرة القطع ..الطاقة الشمسية منتشرة …يلفت نظرك عدم وجود الأنعام من بقر وضان ومعيز فيقال لك انه قد تمت شفشفتها مع كل ما تملك القرية من مقتنيات بدءا بالجرارات وانتهاء بحلق الأذن الذهبي الذي تتزين بها الطفلات… تتعمق في الوجوه فتحس بعمق الجراح مع قوة الارادة على مواصلة الحياة …الماساة تترسم على الوجوه والعزيمة تمور في الصدور …الألسن تقول لن ننسى موتانا ولن نسمح بتكرار ما حدث لنا ..قال لنا احد الشباب انه بعد (يوم الكتلة ) نزح الي شندي مع أسرته ومنها ذهب إلى المناقل مستنفرا وعاد مع جيش التحرير. ..واختتم (لازم نتعلم توجيه المسيرات وإطلاق الصواريخ الباليستية مافي حاجة اسمها كلاشات تاني … الا وما حانوم مرتاحين تاني …الا وما حانسلم أولادنا وطن نظيف ..) ما حدث في السريحة ليس صدفة ولا تجاوز من شارون وقجة إنما جزء من مخطط …هكذا فهم الاهالي ما حدث لهم
(٣)
اخر مرة زرت فيها السريحة كانت قبل الحرب اللعينة بمدة …. حيث تجمع رهط من خريجي مدرسة كاب الجداد الوسطى في ستينات القرن الماضي.. في جنينة حاج إبراهيم الغناء الوارفة الظلال…. امضينا فيها يوما من ايام العمر…سالت عن الجنينة فعلمت انها بخير ولم تطالها يد الخراب .. اكتفيت بالنظر إليها من بعيد فلو دخلتها لاحتجت لدموع جديدة من ماقي أخرى …فقد رحل عدد من الذين نظموا ذلك الحفل البهيج ومنهم شهداء …..كاب الجداد الوسطى كان يتنافس على الدخول إليها تلاميذ من أكثر من أربعين قرية ..خط الظلط من الجديد الثورة الي التكينة والضهرة من اللعوتة الي قوز الناقة …اولاد قرى الظلط كانوا يتريقون علينا لان قرانا التي لايحفها النيل الأزرق من الشمال ولا زلط الخرطوم/مدني من ناحية الجنوب …كانوا يصفوننا بأننا عرب ضهرة متخلفين ينقصنا النيل والظلط ونعوم في الترع المترعة بالبلهارسيا يتطاولون علينا مع ان كاب الجداد ذات نفسيها من قرى الضهرة ..ولكن كنا نبزهم بقرية السريحة التي نفاخر بها … القرية الوحيدة المخططة في المنطقة … القرية الوحيدة التي كان يحي الحفلات فيها الفنانين الذين يغنون في الراديو ..إبراهيم عوض وصلاح بن البادية وحمد الريح وعلى إبراهيم ومحمد احمد عوض وغيرهم …كان يمكن أن يغنوا في كل القرى ولكن الفارق كان ثقافيا … فالسريحة كانت أيقونة الرقي والحداثة والمدنية …قناة …ترعة…حرم السريحة كانت الأكثر إنتاجا في كل المحاصيل على مستوى مشروع الجزيرة كله …في الأسواق ينادي الباعة بمنقة الكاملين وطماطم السريحة (علينا جاى) …في العمل الطوعي كانت السريحة دوما في المقدمة … ردميتهم المتفرعة من شارع التي /المعليق كلفتهم المليارات الممليرة والدولة والولاية تتفرج . ..مبنى المجلس والمستشفى ناهيك عن المدراس والبيارات كلها بالعون الذاتي
(٤)
اعترافا بعظم ما حل بالسريحة من بلاء في هذة الحرب الدائرة الان زارها معزيا ومؤاسيا السيد الفريق أول عبد الفتاح البرهان وصلى معهم صلاة جمعة … وزارها والي الولاية السيد الطاهر إبراهيم الخير …وزارهم السيد محافظ مشروع الجزيرة السيد ابراهيم مصطفى… وفي يومي ٢٠ و٢١ مايو زراتهم قافلة من المؤسسة التعاونية الوطنية التابعة لهيئة أركان القوات المسلحة … تقودها نخبة من الضباط وضباط الصف .. مصطحبة بعض المعينات المادية لبعض مؤسسات القرية …. ومعها فرقة فنية ومجموعة من لاعبي كرة القدم الدوليين لتقييم يومين من المؤازة والمؤاساة والترفيه… بهدف شحذ الهمة وتجاوز المحنة والانطلاق في طريق المعافاة …ما قامت به هذة المؤسسة كان له وقع حسن عند الاهالي واعتبروه تكريما من قوات الشعب المسلحة لهم …قال لي أحد أفراد القافلة جئنا للسريحة لتكريمها لما قدمته من شهداء في معركة السودان الكبرى … فإذا بها تكرمنا بكرمها الفياض وترحاب وبشاشة أهلها..
(٥)
أن ماحدث للسريحة من ابتلاء وما يحدث فيها الآن من تعافي…. يجعلها الرمز الأكبر من رموز معركة السودان التي اندلعت في منتصف أبريل ٢٠٢٣ المستمرة حتى الآن… وابسط واجب تقدمه لها الدولة الان هو إكمال مؤسساتها التي بدا تشييدها الشهداء … مثل سفلتة الردمية التي تربطها بالطريق العام وتحويل مستشفاها الريفي الي مستشفى تخصصي مع عربة إسعاف … ليخدم كل المنطقة… وإكمال نواقص المدراس … َعلى إدارة مشروع الجزيرة صيانة ترعة حرم السريحة والترعة الرئيسة (الميجر) المتفرعة عنه … ليعود للسريحة سبقها الإنتاجي …ان إكرام السريحة واجب على الدولة وعلى كل اهل الخير في كل السودان… فعلي رجال المال والاعمال وكل الجمعيات الوطنية والاقليمية والعالمية العاملة في السودان الالتفات لقرية السريحة.. فهي اصلا قرية نموزجية … وما قدمته للبلاد من تضحية وتقدمه الان من اصرار على الحياة يقف شاهدا على تفردها …. وهي تستحق ان تخلد كرمز للصمود و الفداء والمعافاة والتجاوز والنظر للمستقبل …
واخيرا يا اهلي اهل السريحة وثقوا ما حدث لكم وما يحدث منكم …وثقوا …وثقوا …. فلدى كل فرد منكم رواية تستحق ان تروى ..وثقوا ففي تجربتكم دروس وعبر لكل السودان ولكل البشرية …

موقع المنبر
Logo