عبد اللطيف البوني يكتب: من أجل سودان جديد

الطبقة الوسطى السودانية لم تنشأ في رحم المجتمع السوداني بصورة طبيعية.. إنما صنعت داخله صناعة … حيث أقام المستعمر الانجليزي الجهاز البيروقراطي لإدارة الدولة… وكان لابد له من افندية سودانيين لتقليل تكلفة الإدارة . أقام مشروع الجزيرة لتصدير القطن لمصانع لانكشير فنشات فئة المزارعين… والذين يمكن اعتبارهم تجاوزا طبقة وسطي رغم ان علاقات الإنتاج التي طبقت تجعل منهم إجراء لا شركاء.. و قس على ذلك بقية المشاريع الزراعية … أقام السكة حديدو الميناء والمطارات فكانت طبقة الشغيلة وهي أقرب للطبقة الوسطى من البروليتاريا…ظهرت المدن والقرى المستقرة فكانت فئة التجار ..وهي طبقة وسطى بامتياز.. . ثم نشأت صناعات تحويلية صغيرة .وهكذا تبلورت الطبقة الوسطى .وهي التي استلمت الحكم وإدارة الدولة بعد المستعمر… ثم اتسعت شيئا فشئيا ..ومع ذلك كانت معظم البلاد الي بداية سبعينات القرن الماضي تقع في نطاق المجتمع التقليدي ذو الاقتصاد المعيشي…. الذي تتحكم فيه المنظومة العشائرية والدينية إذ لا توجد فيه طبقة وسطي. .
(٢)
قلة عدد أفراد الطبقة الوسطى جعلها طبقة مرفهة و(مرتاحة)… تعليم مجاني .داخليات خمسة نجوم… .وخدمات صحية وترفيهية متوفرة .كانت تنعم بكل عائد الصادرات القادمة من القطاع التقليدي … .لذلك تسمع البكائية والحنين الي ذلك الماضي ايام الجنيه بثلاثة دولارات… ولبن كافوري وسينما برمبل ثم كلوزيوم ….الكاشف وحسن عطية .لخصها جدنا الأمين بقوله (ايام ربع الرطل يملا القزازة)
أكبر طفرة اجتماعية حدثت في السودان كانت التوسع في التعليم العام الذي احدثتة مايو …السلم التعليمي الذي طبق في عهد محي الدين صابر ….حيث اجتاح الوعى المجتمعات التقليدية فأصبحت تطالب بقسمتها في الكيكة… انتقل أبناء القيادات التقليدية الي الطبقة الوسطى مع عدم التوسع في القاعدة الإنتاجية …فكان الاغتراب كنوع من الحلول الفردية …والنشاط الطفيلي من مضاربات في العملة والعقارات والسيارات .واستغلال الوظيفة الرسمية… التفرغ السياسي ثم الخصخصة في التعليم والصحة وكل الذي منه.. فاضطربت الطبقة الوسطى وتعرضت لاستقطاب حاد.. والتطرف السلوكي… وانعكس ذلك على البلاد ويكفي حالتها الان التي تصعب على الكافر….
(٣)
الطبقة الوسطى هي الكتلة الحيوية التي… تحكم… وتدير.. وتبدع… لانه يفترض ان تكون مستقرة فهي لا تبحث عن غذاء ولا تبحث عن ثراء فاحش… طبعا هذا من ناحية نظرية بحتة ..كما أنها في حركة دايمة خوفا من السقوط في مستنقع الفقر…وتطلعا الي أعلى … وفي حركتها تتولد حركة المجتمع… ..الفرد في الطبقة الوسطى ينبغي الا يحمل هم التعليم والصحة وكل الضروريات… إذ يجب أن توفرها الدولة أو المجتمع ..لكن للأسف الطبقة الوسطى.. في السودان والتي نشأت في كنف الدولة… عضت الثدي الذي رضعت منه.. فقطعت راس من جاء بعدها ..
يمكننا أن نصل لخلاصة ان ما يعانيه السودان الان ناجم من تعثر الطبقة الوسطى … وقلة وعيها ولو عصرنا عليها يمكن أن نقول (خيانتها) …ولا سبيل لمعافاة السودان الا بتعافي الطبقة الوسطى …الحرب الحالية كان وقعها أشد على الطبقة الوسطى من غيرها إذ لحقتها أمات طه… ولعل في ذلك فرصة لبنائها من جديد وليس إعادة بنائها …وفي ظني ان هذا أمر ميسور اذا خلصت النوايا وادركنا ما كان بها.. وما يجب أن تكون عليه ..بكلمة واحدة .. تقوية القطاعات الإنتاجية ومحاربة النشاط الطفيلي عامة والفساد المقنن… خلاصة الخلاصة المطلوب إيجاد رحم جديد لكي تنشأ فيه الطبقة الوسطى القادمة…جددوا الرحم لكي بتجدد المولود …

موقع المنبر
Logo