
( ١ )
طوريتك في الطين مرمية
كوريتك فاضية ومجدوعة
ولا فوتك كانت مرضية
شقيش ما تقبل يا ابو الحيل
في قلوبنا مواجعك متكية
بتمسي بيوتنا الكاكية
حزنانة بتبكي مال الحال
والزمن الساقكم أيدية
هذة الكلمات مجتزأة من اغنية مشهورة لمصطفى سيد أحمد شارك هو في تاليفها مع صلاح حاج سعيد ومحمد المهدي عبد الوهاب …وهي ليست للشاعر المبدع حميد كما شاع الا انها تشبه اشعاره
مصطفى سيداحمد ابن الجزيرة ..مفتون بحب أرضها … ويحكى انه طلب من احد أصدقائه كان قادما لقطر …ان يحضر له حفنة من تراب حواشة جده بمكتب ود سلفاب في وسط الجزيرة … .فاستقبل مصطفى القادم في مطار الدوحة.. فاستلم التراب واخذ “يتكرفه” ويبكي وسط ذهول موظفي المطار ..انه اديم الجزيرة وانه مصطفى
( ٢ )
كان والدي رحمة الله عليه ..لا يقبل اي كلمة في الحواشة ..وعندما نقول له ان الظلم الواقع على المزارع كبير ..وان الحساب المشترك فيه سرقه لجهد المزارع …لمصلحة الدولة والادارة (الشركة قبل التأميم ) … كان يقول لنا انتو شن عرفكم امشوا شوفوا قرايتكم وين ؟ .. وعندما نقول له ان كثير من المرافق الحكومية في السودان …انشئت من عرق مزارع الجزيرة… يقول عشان كده نحن مبسوطين …
عندما تقدم به العمر وجلس… كنت اتحاشي ذكر الحواشة بسؤ خشية زعله ..وقد كان تفسيري لذلك انه عاش فترة ما قبل المشروع حيث كانت الحياة في غاية الشدة والصعوبة فالمشروع على الاقل وفر لهم ماء الشرب وبالتالي الاستقرار وشي من الحياة الحديثة …لذلك كانت النقلة كبيرة بالنسبة لهم …أما نحن الذين نشانا في ظلال المشروع …فلا ينطبق علينا ما حدث لهم من نقلة… وبالتالي اقترابنا من الحقوق والواجبات لابد من أن يكون مختلفا ..
( ٣ )
عندما عدت من غربة عام وثلاثة أشهر في مايو الماضي ..كان أول مشاويري هو الذهاب للحواشة … رغم ان الموسم الزراعي كان قد انتهى …وان الحواشات تحولت إلى ما يشبه الصحراء الجرداء… والسفاية ما تديك الدرب …فتجولت حافيا في الحواشة في كل القصادات …القصاد في الجزيرة نسميه “التلات” …وكنت وانا امشي في الأرض التي مشى عليها والدي قبل قرابة القرن من الزمان ..كانت تأتيني كل ملامح مشيتة وكأنني اسير خلفه … كنت كانني اسبح في عالم آخر .لاسيما ان انقطاعي عن الحواشة كان قسريا لانه في أيام احتلال الدعم السريع للجزيرة كانت هناك كتيبة جنوبية تابعة للدعم ترابط في تلك الحواشات ..والكتيبة مكونة من نوير كانوا يشتغلون في أعمال البناء والكمائن… في ذات منطقتنا انضموا للدعم السريع بعد دخوله الجزيرة .. عودة الي موضوعنا وان لم نخرج عنه ..لقد احسست ان علاقتي بهذة الأرض لم تعد علاقة مصلحة بل هي أعمق من ذلك بكثير …لقد تأكدت أنني لم أفهم والدي وهو يدافع عن الحواشة ..لانني ساعتها لم اصل للبعد الروحي الذي كان هو قد وصله… وهانذا انا أصله بعد التجربة المريرة التي مررنا بها .
لقد تذكرت فليم الأرض للمخرج الكبير يوسف شاهين وبطولة محمود المليجي وعزت العلايلي ..الذي تحولت فيه علاقة الفلاحين بالأرض التي سقوها بعرقهم ثم سقوها بدمائهم …من علاقة مصلحة الي علاقة حب يكاد يكون تجريدي …
واخيرا
ما ذكرناه أعلاه عبارة عن مقدمة “فلتت” أردنا بها التوسل للكلام عن الموسم الزراعي المتعثر حاليا …فغدا ان شاء الله نلتقي


