
( ١ )
في ظني ان أكثر قضية وجودية سكب فيها السودانيون جهدا ذهنيا هي قضية سد النهضة الإثيوبي …لقد تباينت فيه وجهات النظر بصورة حادة ..لدرجة الاستقطاب.. إذ تلاشت أو كادت ان تتلاشي المنطقة الوسطى التي تسمح باي تلاقى بين وجهتي النظر المتباينتين..فهناك من يرى انه في مصلحة السودان لدرجة القول ان السودان سوف يستفيد منه أكثر من إثيوبيا …لابل انه سد سوداني اقيم في أثيوبيا …وهناك من يرى انه ليس في مصلحة السودان .. لا بل مهدد وجودي للسودان وانه يمكن أن يقضي على السودان غرقا أو حرقا …بمعنى انه يمكن لاثيوبيا ان تمسك عليها كل إيرادات النيل الأزرق ولمدة خمسة سنوات متتالية لان سعة بحيرة السد ٧٦ مليار متر مكعب ..وفي نفس الوقت اذا فتحت إثيوبيا كل توربينات السد سوف نجد حديد سدي الرصيرص وسنار في بحيرة ناصر امام السد العالي…
( ٢ )
لم يكن الخلاف بين السودانيين حول سد النهضة كان اقتصاديا أو سياسيا محضا … لكنه وللغرابة كان فنيا… إذ اختلف حوله علماء الجيولوجيا والمياه السودانيين اختلاف بينا …فمهندس مثل كمال علي الذي تولى وزارة الري في عهدين سياسيين مختلفين وصف السد بأنه مهدد وجودي للسودان وبقيامه يكون السودان قد سلم رقبته لاثيوبيا ..وعلى ذات المنوال نسج علماء اخرون… منهم على سبيل المثال لا حصر المهندس أزهري سيداحمد و بروفسير احمد عبد الرحمن العاقب ومحمد احمد شداد واخرون … أما الذين ايدوا قيام السد لأنهم يرون انه من مصلحة السودان بروفسير سيف الدين حمد واسامة عبد الله وكمال علي عبد الرحيم واخرون …وكلا الفريقين أوجد حججا لا حصر لها تدعم وجهة نظره …ثمة ملاحظة شكلية وهي ان معظم المعارضين للسد كانوا من قدامى المهندسين بينما المؤيدين يغلب عليهم عنصر الشباب …أما من اهل القانون المتخصصين في قوانين المياه الدولية والمعارضين لقيام السد الدكتور أحمد المفتي وعلى النقيض منه نجد الدكتور سلمان محمد احمد سلمان ..وكلا الرجلين قد سكب جهدا كبيرا متجاوزا تخصصه في دعم وجهة نظره…
كانت حصيلة ذلك الجدل الذي استمر طويلا.. ان تبلورت وجهة نظر سودانية ثالثة… خلاصتها ان للسد فوائد بالنسبة للسودان وفي نفس الوقت له مضار …بعبارة أخرى ان فيه فرص وفيه مهددات …فتحويل المهددات الي فرص أو الفرص الي مهددات… يتوقف على شطارة السودانيين وفهمهم للواقع المحلي والاقليمي والدولي ..كاد الأمر أن يصور الي انه بطيخة مقفولة تترك للمستقبل يا صابت يا خابت. ..هذا مع بقاء وجهتى النظر المتطرفتين على ما هما عليه …
( ٣ )
حسمت حكومات الإنقاذ في طاشرات القرن الماضي الأمر وايدت قيام سد النهضة تاييدا قويا … لا بل سعت لاقناع مصر والتي كانت رافضة للسد رفضا بينا لا لبس فيه .. بالموافقة عليه فكان اتفاق المبادى في مارس ٢٠١٥ الذي وقعه الرؤساء البشير والسيسي وديسالين..ومن ثم اكتسب فكرة قيام سد النهضة ..شيئا من المشروعية السياسية ولكنها لم تتبلور في وثيقة قانونية ولكن إثيوبيا استغلت الاعلان فزادت من معدلات جهدها في بناء السد …ففرغت منه في ٢٠٢٥ وامتلات بحيرته …واقامت له احتفالا عالميا مهيبا مع مقاطعة سودانية مصرية واضحة …
اها قد يتساءل أحدنا شن جدة على المخدة الخلانا نجيب سيرته اليوم ؟ ….كيس جديد ولا تنجيد ؟ فالاجابة الاثنين حدثا …
الكيس الجديد يتمثل في أنني قرأت للاستاذ الكاتب الكبير /مصطفى عبد العزيز البطل انه شاهد حلقة تلفزيونية تحدث فيها عالم الجيولوجيا والمياه المصري عباس شراقي قائلا ان سد النهضة سد استراتيجي مصري في إثيوبيا …في حين أنني قرأت لذات العالم مقالات كثيرة من قبل يقول فيها ان سد النهضة مهدد وجودي لمصر
… شراقي كان بتحدث من خلال قناة مصرية مع المذيع اللامع مجدي الجلاد على حسب وصف البطل
اما التنجيد ..فقد انخفضت إيرادات النيل الأزرق في شهر يوليو انخفاضا مريعا… فهل حجزت بحيرة سد النهضة المياه ام ان هناك عوامل أخرى ؟…طبعا مصر لن تتأثر بهذا الانخفاض الان لديها تخزين قرني في بحيرة ناصر .
نواصل غدا ان شاء الله مفصلين بعض ما اجملناه أعلاه


