
إلتفحت الحنين هندام وجلست عل كرسي في (شارع بيتنا) أنظر إلى الطريق الطويل الذي يمتد أمامي ، مستوي بلا إعوجاج ، هادي بلا ضوضاء ، أصوات مريحة بين زغزغة وهديل وتغريد . الهديل كان يعلو ويعلو في إيقاع منتظم يتجاوب معه التغريد وتداخل معه رهافة صوت عصافير ( من رهافة حسيسو إلا تدليه طفقة ) .
(2)
لماذا لم أللاحظ من قبل أن شارع بيتنا يلتحف كل هذا الجمال ؟ لماذا لم أستنشق من قبل هواء عليل يأتيني من أعالي الشارع منحدراً بلا مصدات تعيقه لأستنشقه نسيماً عليلاً وأملأ به (رئاي عطر وأطياب).
(3)
لماذا لم أكتشف أنني أحب كل تلك الشوارع والطرقات والدروب ، زمان ليس ببعيد كنت أردد مع البلابل (شارع بيتنا نور بيتنا)وأقول ( كنا فرشنا السكة ورود لو كلمتنا كان بالجية / خطوة عزيزة ويوم موعود/دا الخلاك تطرانا شوية) واليوم أستحضر كل من غني للشوارع والدروب ، وجلست عند تباشير الصباح أحمل الوعد والفكرة وكأني أسمع محمد الامين يغني (وجأنا هتاف من عند الشارع)،و عبد الكريم الكابلي غير بعيد في طريق الجامعة كيف أنه وقف للفجر حتى طلعَ؟ ، ثم أنها الخرطوم هبت في جنح الدُجى تُضَمد بالصبر هاتيك الجراح !! أجلس في شارع بيتنا. نعم شارع بيتنا في الخرطوم ، وشارع بيتنا فاتح في القلب والقلب مساكن شعبية ثم تعالوا كلكم معي الليلة بالليل (نمشي شارع النيل) !
(4)
صوت ماكينة ركشة تعدو مسرعة في الطريق الموازي ، وعربات تبدو علي الشارع الرئيس غير بعيد تمر هي الأخرى مسرعة ما أجملها (بانوراما) تكمل لوحة جلوسي علي الشارع تصبح جزء أصيل من تفاصيل صغيرة للوحة الشارع . وهل لي وانا هنا أن أتذكر كم ليل الغربة فيه وَدَاَرْ ، قال به كل من إمتطى قطار الشوق (ياقطار الشوق ده ليل الغربة فيه وَدَاَرْ / متين تسرع متين بنكمل المشوار / عشان نلقى فيها الناس / ونطفي البينا من النار ) وأجلي النظر في الشارع أمامي أحاول ان أُطفئ ما بي من النار ) ، وأنا في جلستي هذه أخال نفسي كما حال سيد عبد العزيز عندما غنى له سرور (أنا قلبي طار من صدري/يا صديقي عشان/شفت حور الجنة داخل الحيشان/شفت العيون بتقهقر ضابط النيشان/ شفت الجمال الوافر ) نعم حضر أمامي كل الجمال الوافر في (شارع بيتنا) وطفقت أسرح وراء سيد عبدالعزيز وأُحَي كل المعالم في شارع بيتنا وأُغني (مني السلام ما غنى / شادي أو رطان / مني السلام / ما حن مفارق الأوطان)،وهانذا أجلس في شارع بيتنا يؤلمني حال (مفارق الأوطان) وأغني له !! أغني ل ( مفارق الأوطان ) بل أغني معه أنت كل الحيا والجمال و(قولي من عيني ما خفاك / يا حبيبي متى وفاك ؟ / ماله بدر السما ما شروق ؟ من حَمَاهُ ومنعه المُروق ؟ وأنا .. أنا غير أشوفه ما بروق !
(5)
هل كان لي وأنا جالس علي الشارع مع خيوط الفجر الأولى أن أتذكر مقطع محفور في دواخلي أتحسسه عند كل سفر ( يا حليل حنين الأُمهات مشتاقة لي ولداً رحل لمتين يعود يملأ الفريق بالفرحة زي ملك نزل يمسح دموع سآلت كتير ويعدل العوج الحصل) ، والعوج الحَصل كبير وكتير وعميق .
(6)
الأبناء رحلوا في سفر بعيد لم يك(بالليد) والأُمهات تشتاق بالحنين كله للولد الرحل . كم هو عظيم شوق والأُمهات وإشتياقهن لرؤية فلذات الأكباد . وكان من الطبيعي أن تأمن الأُم في خدرها تشتاق ل (الولد الرحل) ، رحل جرياً وراء الرزق بحثاً عنه في مظانه وأماكن جلبه .
(7)
لم أحاول ان أتفادها بل وقعت فيها بحب شديد ، سنوات عديدة أمر بها ، أزوغ منها بتلقائية ، تعودت عليها حتى أنني في كل مرة أمر بها أنظر إليها شذراً ثم أمضي . لم ألعنها ابداً بل كنت اسأل الله أن يقيل عثرتها وهي باقية في مكانها لا تتزحزح منه قيد أنملة .
(
ومررت بها اليوم في ذهابي وإيابي ، وطول غيابي .. وكلما أسرح أسترجع ذكرياتي في طرقات العاصمة بعين الخيال ، كنت أراها أمامي وأبتسم . واليوم وجدتها أمامي إبتسمت لم أتفادها ولم (أزوغ) منها بل إتجهت اليها مباشرةً وقعت فيها بالعجل الأمامي وتبعته بالخلفي ولولا سيارت تعدو ورائي لعدت اليها بالخلف ولوقعت فيها ثانية وثالثة ورابعة ومية .
(9)
إنها الحفرة التي لم تتغير منذ أن عرفتها من سنوات عديدة ، حتى الحرب لم تغير ملامحها ظلت أبعادها كما هي منذ أول يوم رأيتها فيه ، حتى عمقها لم تدفنه أعاصير ورياح الحرب الهُوْج ، إكتشفت أنني أحبها فهي معلم راسخ في طريق الذكريات . إختفت معالم كثيرة ولكنه ظل كما هو باقٍ في مكانه لا يتزحزح .
(10)
ترقد هناك شامخة في أنفة وإعتداد ، حيوها معي !! حيوا معي الحفرة التي مكانها عند تقاطع شارع محمد نجيب مع الشارع القادم من محطة سبعة في الصحافات ناحية الغرب . حيوها في كل تمرون بها وإبتسموا ، فهي عندي حبيبة وحفية وجديرة بالحب والاحترام .
كل ذرات تراب الوطن حبيبة وحفية وجديرة بالحب والإحترام ولكن هذه الحفرة عندي هي الأحب وتعالوا معي نقف ونحني عندها .. عند الحفرة ونغني مع عبدالعال السيد (قول لي يا أغلى زول/ قول لي قول/خلي الحزن يرحل يزول/وريني وين درب الوصول/وأنا لسه تائه دلني/وخايف تفوت والسكة بيك ما تلمني/وإنت المهم والناس جميع ما تهمني) وإلى من يهمه الأمر أتركوها في حالها دعوها وشأنها كما هي لا تزيلوها لا تدفنوها ولا تكيلوا عليها التراب فهي الوحيدة (مَنْ)بقيت على حالها من (ماضي الذكريات)،لم تتغير .. أتركوها في حالها، ارجوكم !! .


