التطبيقات المصرفية خارج الخدمة..تضرر البنية التحتية للاتصالات يهدّد استقرار المعاملات البنكية

الخرطوم: المنبر24

أعادت الأعطال المتكررة التي تشهدها التطبيقات المصرفية في السودان إلى الواجهة حجم التأثير الذي خلّفته الأضرار الواسعة التي لحقت بالبنية التحتية لقطاع الاتصالات، في وقت باتت فيه الخدمات البنكية الرقمية إحدى أهم وسائل إنجاز المعاملات اليومية، وسط شح السيولة النقدية واتساع الاعتماد على التحويلات الإلكترونية.
فمع تضرر شبكات الاتصالات والإنترنت وتكرار الانقطاعات، أصبحت قدرة المصارف على تقديم خدمات رقمية مستقرة مرتبطة بصورة متزايدة بسلامة البنية التحتية التي تربط المستخدمين بمراكز البيانات والأنظمة المركزية للبنوك، وهو ما جعل تداعيات الحرب على قطاع الاتصالات تمتد مباشرة إلى حركة الأموال والمعاملات اليومية.

شبكات الاتصالات
وتعرضت البنية التحتية لقطاع الاتصالات في السودان لدمار واسع خلال الحرب، شمل مئات أبراج التغطية ومحطات الربط الشبكي، إلى جانب عمليات نهب طالت المولدات وشرائح الطاقة الشمسية والبطاريات والوقود المستخدم في تشغيل المحطات، فضلاً عن فقدان أجهزة ومعدات تقنية حيوية ونقل بعضها بصورة غير قانونية إلى دول مجاورة بغرض بيعها.
وانعكس هذا التدهور مباشرة على أداء التطبيقات المصرفية، إذ تعتمد الخدمات البنكية الرقمية على اتصال مستقر يربط المستخدمين بمراكز البيانات والخوادم والأنظمة المركزية للبنوك، ومع ضعف التغطية وتكرار انقطاع الإنترنت، تتزايد حالات بطء التطبيقات وصعوبة تسجيل الدخول وتأخر التحويلات وتعطل عمليات الدفع والاستعلام عن الأرصدة.
ولا تقتصر تداعيات المشكلة على الجانب التقني، إذ بات ضعف الاتصال ينعكس على النشاط الاقتصادي اليومي، في ظل اعتماد قطاعات واسعة من المواطنين وأصحاب الأعمال على التحويلات الإلكترونية في شراء السلع وتسوية المدفوعات وإدارة الالتزامات المالية.

ضغط متزايد
وجاء تراجع كفاءة البنية التحتية للاتصالات في وقت اتسع فيه اعتماد المواطنين على التطبيقات المصرفية بصورة غير مسبوقة، لتتحول من مجرد وسيلة لتسهيل المعاملات إلى أداة رئيسية لإدارة الاحتياجات المالية اليومية.
وتشمل التطبيقات الأكثر استخداماً «بنكك» التابع لبنك الخرطوم، و«فوري» التابع لبنك فيصل الإسلامي، و«أوكاش» التابع لبنك أم درمان الوطني، و«ساهل» التابع لبنك النيل، إلى جانب تطبيقات مصرفية أخرى يعتمد عليها المواطنون في عمليات الشراء وتحويل الأموال وسداد الالتزامات واستلام الرواتب.
واكتسبت هذه التطبيقات أهمية متزايدة في ظل شح السيولة النقدية وتراجع التعاملات النقدية المباشرة، ما جعل استقرارها واستمرارية عملها قضية ترتبط بصورة وثيقة بحياة المواطنين وحركة النشاط الاقتصادي.
ومع اتساع قاعدة المستخدمين وتزايد حجم المعاملات الإلكترونية، لم يعد تعطل التطبيق المصرفي مجرد خلل فني محصور داخل البنك، بل باتت آثاره تمتد سريعاً إلى قدرة المواطنين على الوصول إلى أموالهم وإتمام معاملاتهم، وإلى حركة البيع والشراء في الأسواق….
ولا تبدو المشكلة مرتبطة بتطبيق مصرفي بعينه، إذ تواجه عدة تطبيقات بنكية تحديات متفاوتة في استقرار الخدمة، بما يعكس طبيعة أوسع للأزمة تتداخل فيها شبكات الاتصالات والطاقة والأنظمة التقنية والسعات التشغيلية للمصارف.

شح السيولة
وتتضاعف آثار تعطل التطبيقات المصرفية في ظل شح السيولة النقدية، الذي دفع المواطنين والتجار إلى الاعتماد بصورة أكبر على التحويلات الإلكترونية لتسيير معاملاتهم اليومية.
ومع تراجع التعامل بالنقد، أصبحت التطبيقات البنكية وسيلة أساسية لشراء السلع وسداد الالتزامات واستلام الأموال، ما جعل أي خلل في الشبكة أو التطبيق ينعكس مباشرة على قدرة المستخدمين على الوصول إلى أرصدتهم وإتمام معاملاتهم.
وامتد هذا التأثير إلى الأسواق، حيث باتت التحويلات المصرفية جزءاً رئيسياً من حركة البيع والشراء في المتاجر والصيدليات ومحطات الوقود وغيرها من الأنشطة، الأمر الذي يجعل تعطل التطبيقات قادراً على إبطاء المعاملات والتأثير على الإيرادات اليومية للتجار.
وتكشف هذه المعادلة عن مفارقة فرضتها ظروف الحرب؛ فكلما تراجعت السيولة النقدية، ازداد اعتماد المواطنين على التطبيقات، بينما تعمل هذه التطبيقات في المقابل ضمن بيئة تعاني أصلاً من ضعف شبكات الاتصالات واضطراب إمدادات الكهرباء وضغوط متزايدة على البنية التقنية للمصارف.

تحديث الأنظمة
ويرى مختصون في التحول الرقمي والتقنية المصرفية أن الأعطال المتكررة التي تواجه التطبيقات البنكية لا ينبغي التعامل معها باعتبارها مشكلات تقنية منفصلة، وإنما نتيجة لتداخل عوامل فنية وهيكلية زادت ظروف الحرب من حدتها.
ويقول المهندس محمد عباس، المختص في التحول الرقمي والتقنية المصرفية، إن تعطل التطبيقات البنكية، ولا سيما تطبيق «بنكك»، كشف حجم التحديات التي تواجه البنية الرقمية للقطاع المصرفي، في ظل التوسع الكبير في الاعتماد على الخدمات الإلكترونية نتيجة شح السيولة النقدية.
ويشير عباس إلى أن الزيادة المتسارعة في أعداد المستخدمين وحجم المعاملات الإلكترونية لم يصاحبها، في بعض الحالات، تحديث تقني بالوتيرة نفسها، الأمر الذي رفع الضغط على الخوادم والسعات التشغيلية، خصوصاً خلال فترات الذروة.
ويعزو الأعطال المتكررة إلى مجموعة من العوامل، في مقدمتها تضرر شبكات الاتصالات وانقطاع التيار الكهربائي والأضرار التي لحقت بمراكز البيانات، إلى جانب ما تعرضت له بعض مقرات البنوك الرئيسية في الخرطوم من نهب وتخريب خلال الحرب.
ويضيف أن معالجة هذه التحديات تتطلب تحديث الأنظمة المصرفية وزيادة السعات التشغيلية وإنشاء مراكز بيانات احتياطية، فضلاً عن توفير أنظمة بديلة تضمن استمرارية الخدمة عند تعطل الأنظمة الرئيسية، وتعزيز التنسيق الفني بين المصارف وشركات الاتصالات للحد من تأثير انقطاعات الشبكات على الخدمات المصرفية الرقمية.

انقطاعات الكهرباء
ولا يمكن فصل أزمة الاتصالات عن الأضرار والانقطاعات التي يشهدها قطاع الكهرباء، إذ تعتمد أبراج الاتصالات والخوادم ومراكز البيانات على إمداد مستقر بالطاقة لضمان استمرارية عملها، ما يجعل انقطاع التيار لفترات طويلة عاملاً إضافياً يهدد استقرار خدمات الاتصالات والإنترنت.
ويكشف هذا الترابط أن استمرارية الخدمات المصرفية الرقمية باتت رهناً بمنظومة متكاملة تشمل الكهرباء وشبكات الاتصالات ومراكز البيانات والأنظمة المصرفية، بحيث يمكن لأي خلل في إحدى حلقاتها أن يمتد أثره إلى بقية المنظومة وينعكس في النهاية على المستخدم.
وفي ظل الاعتماد المتزايد على التطبيقات البنكية، تبرز الحاجة إلى بناء بنية تقنية أكثر قدرة على مواجهة الانقطاعات والظروف الطارئة، من خلال إعادة تأهيل شبكات الاتصالات المتضررة، وتوسعة قدرات مراكز البيانات والخوادم، وتوفير أنظمة احتياطية وخطط فعالة لاستمرارية الأعمال.
كما يظل تعزيز التنسيق الفني بين المصارف وشركات الاتصالات ومقدمي خدمات البنية التحتية عنصراً أساسياً لضمان استمرارية الخدمات وتقليل فترات التعطل..وفي بلد أصبحت فيه التطبيقات المصرفية جزءاً أساسياً من حركة الأموال والمعاملات اليومية، لم يعد إصلاح البنية التحتية للاتصالات والكهرباء مسألة خدمية فحسب، بل أصبح شرطاً أساسياً لاستقرار الخدمات المصرفية وضمان قدرة المواطنين على الوصول إلى أموالهم وإتمام معاملاتهم.

موقع المنبر
Logo