
في النصف الاول من ستينات القرن الماضي ونحن تلاميذ في السنة الرابعة الأولية.. جاء إلى مدرستنا عدد من المدرسين الجدد …لأنها تحولت من مدرسة مجلسية الي مدرسة أولية ….الناظر الاستاذ احمد ابو القاسم من أهالي السقاى عرفنا بهم في الطابور الصباحي …الاستاذ عبد الرؤوف عبد الرحمن من النوبة.. والأستاذ الأمين الصديق من العيلفون.. والأستاذ شيخ إدريس من مروى… بقية الأساتذة كانوا من القرية ..كلهم كانوا في غاية الانضباط في لبسهم.. اقمصة بأكمام طويلة.. مشكوكة داخل البناطلين ..منضبطين في مشيتهم وفي طريقة كلامهم ..تبدو على وجوههم الصرامة وتم ابلاغنا بأن مدرستنا سوف تنافس على الدخول في المرحلة الوسطى مباشرة… بمعنى لن نذهب للامتحان في المسيد حيث المدرسة الأولية ذات الراسين .. بل الي كاب الجداد مباشرة حيث المدرسة الوسطى ..المهم القى في روعنا اننا مقدمين على مرحلة جديدة…وعلينا أن نرتقي الي مستواها …بالانضباط والجدية والاجتهاد .. فايقنا ان الصرامة في التعامل سوف تزداد .فارتفعت وتيرة (الرجفيبة) لدينا …
(٢)
ايام قليلة مضت بنا في العهد الجديد… فأكتشفنا ان هناك استاذ مختلف في هذة الكوكبة الجديدة من المعلمين المحترمين…. وهو الاستاذ عبد الرؤوف .الاختلاف ليس في الأداء الأكاديمي فكلهم كانوا مجيدون فيه ..إنما الاختلاف كان في التعامل معنا كتلاميذ ..فكل الأساتذة والذين كانوا من قبلهم كانوا صارمين داخل الفصول… وكانوا يتعاملون مع التلاميذ تعامل ابوي جاد.. ليس فيه اي قدر من المرونة وفي ظني ان هذا منهج بخت الرضا في التربية ….بدليل اننا اكتشفنا فيما بعد أن معظم ان لم نقل كل الذين درسونا كانوا اناس عاديين في تعاملهم مع الآخرين يمزحون ويضحكون ولكن الواحد منهم داخل المدرسة وأمام التلاميذ (يركب وجها اخر)… ولعل في هذا الأسلوب التربوي فوائد مباشرة أو غير مباشرة نحن لم ندركها يومها أو ربما حتى الآن ….
لكن الاستاذ عبد الرؤوف كان يدخل علينا وهو طلق المحيا… منطرح الوجه.. يستخدم كلمة يا ابني بدل ياولد ..لا يخفى الضحكة اذا جاءته خاصة عندما يحكى لنا القصص المقررة ..لقد احببناه بطريقة جنونية كنا نتمنى الا تنتهي حصته ..إذا رايناه في شارع من شوارع القرية ….كنا نهرع اليه بدل ان نترك له الطريق كما نفعل مع بقية الأساتذة المحترمين ….
(٣)
لئن كانت العلاقة بيننا وببن اساتذنا طابعها الاحترام ..لدرجة الرهبة فإنها مع استاذ عبد الرؤف كان طابعها الاحترام مع المحبة ..لدرجة ان بعضنا كان يتحدث معه بدون اي كلفة ..اذكر انه ذات يوم قسم الفصل الي مجموعات واقام منافسة بينها …وعندما أعلن فوز مجموعة معينة هتف بقية الفصل (فيها خيانة ..فيها خيانة) مع ضرب على الكنبة ذات الادراج التي نكتب عليها. …فالزم الفصل الهدؤ بصعوبة وهو يتبسم ..فقال له أحد التلاميذ (يا فندي انت بتاع ناسات) فضحك الاستاذ ضحكة مجلجلة.. ووضع يده على كتفه قائلا له قلت كيف ؟..كلام الناس العجائز دا جبتو من وين ؟ ايوه انا بتاع ناسات لكن ناسي انتو كلكم ..
(٤)
لعله من حسن حظ جيلنا والاجيال التي تلته انه نعم بتلقى العلم والتربية من استاذ عبد الرؤوف… إذ ظل ممسكا بالطباشيرة منذ تخرجه من معهد التربية بالدلنج عام ١٩٦٠ الي قبيل ايام معدودة من رحيله في يوم السبت ٢٩ أغسطس ٢٠٢٦ المنصرم… .. قابلني الصديق الدكتور بدر الدين عبد الصادق مدير التعليم بولاية الجزيرة السابق الآن معاشي …وهو من تلاميذ الاستاذ عبد الرؤوف صدفة في الخرطوم يوم الأحد ٣٠ أغسطس وبعد السلام مباشرة ….قال في خبر محزن… امس انتقل الى جوار ربه الاستاذ عبد الرؤوف… فوقع الخبر على كالصاعقة إذ كنت قد سالت عن قبل اقل من شهر …فقيل لي انه مازال ممسكا بالطباشيرة في مدرسة خاصة … ويغطي جميع المناسبات في القرية .. ويؤم الناس للصلاة من وقت لاخر ..لقد شعرت بفقد استاذ عظيم ..مربي مختلف… وصديق عزيز … أكاد أجزم بأنه أثر في حياتي تأثيرا مباشرا …إذ أراد الله أن احترف التدريس …وقد درست في جميع المراحل من الابتدائي الي ما فوق الجامعي في السعودية وفي السودان… وكان تعاملي مع تلاميذي وطلابي تابعا لمدرسة الاستاذ عبد الرؤوف عبد الرحمن القريش ما استطعت الي ذلك سبيلا ..فاللهم ارحمه واغفر له واجعل قبره روضة من رياض الجنة واجعل البركة في ذريته …
(٥)
اما العنوان فمناسبته ان راحلنا المقيم الاستاذ عبد الرؤوف قال ذات مرة لابني احمد انت من الذين درست امهم وابوهم ..فهو قد درس الحاجة/ نجاة عبد الله في سبعينات القرن الماضي في النوبة واستمر عطاؤه كما ذكرنا أعلاه الي وقت قريب وبكامل قواه إذ تتلمذت على يديه أربعة اجيال ..قال لي دفعته في معهد التربية الدلنج ورفيقه في المهنة الاستاذ علي عثمان (فارس) من ألتي.. أطال الله عمره … ان عبد الرؤوف من القلائل في جيلنا الذين لم يقتربوا قط من المحرمات … رغم ان قانون الدولة كان يبيح الكثير منها …رحمك الله استاذنا فقد نشأت مختلفا …فكان عطاؤك ممتدا …و نهجك مختلفا .. فاحبك كل من عرفك
(٦)
بعد أن كتبت هذة المرثية أعلاه وقبل ان ادفع بها للنشر… انتقل الى رحمة مولاه بقريتنا استاذ اجيال اخر …قريبنا واستاذنا ومربينا وصديقنا الاستاذ عثمان أحمد عبد الله الفيل …وقد كان زميلا وصديقا لاستاذنا عبد الرؤوف… تخرج بعده من ذات معهد التربية بالدلنج وعملا سويا التدريس والإشراف..وقد اقتضت حكمة الله أن تفصل بين رحيليهما 24 ساعة فقط .. ..استاذنا عثمان هو الاخر من الذين احدثوا طفرة في التعليم في القرية والمنطقة …استاذ عثمان كان من مدرسة تربوية مختلفة إذ كانت مدرسته مدرسة الصرامة… احدثكم عنها وعنه غدا ان شاء الله …نحمد الله كثيرا اننا نهلنا من علم وطريقة الاستاذين عبد الرؤوف عبد الرحمن وعثمان الفيل …
قال سنغور أنني كلما اسمع بأن شيخا أفريقيا رحل اتاكد بأن هناك مكتبة قد احترقت… ولو عايش سنغور هذين الاستاذين لادرك ان هناك أمة كاملة قد رحلت


