عبد اللطيف البوني يكتب: وعادت مكة

(١)
ان نسيت لن انسى ذلك اليوم الذي ذهبت فيه الي مستشفى المغربي للعيون في المنشية في العقد الاخير من القرن الماضي …كنت أظن أن عرضا طاريا قد ألم بعيوني… وبعد الكشف اتضح انه لابد من نظارة للقراءة فقلت للطبيب مذعورا يعني بعد كده لازم تكون عندي نظارة مستديمة ؟ فرد بالقول ضاحكا ..مش نظارة واحدة بل نظارة تانية وربما تالتة ..والحاتشيلا الليلة حا تتغير الي ان تصبح (قعر كباية) ..ثم حاول التهوين على بالقول … ياخي دا تطور طبيعي ذي ما شعرك حا يتغير من اسود لابيض برضو نظرك بقل وكلما تقدم بك العمر حاتفقد شي من قواك ..ونحن نحمد الله اننا عشنا في زمن تطور فيه طب العيون فأنت ان شاءالله من هنا ورايح حا تكون زبون لناس العيون … …بس تسأل الله انه التردد يكون للمراجعة وليس للعلاج …
كان الطبيب راقيا وكان المستشفى راقيا وكان التعامل أرقى …كيف لا والمستشفى كان خيريا يتبع لمؤسسة البصر الخيرية العالمية …التي مقرها في المملكة العربية السعودية … المهم في الأمر أنني قد أصبحت مرتبطا بتلك المؤسسة منذ ذلك الوقت الي يوم الناس هذا … فعندما تحول مستشفى المغربي الي الرياض وتغير اسمه الي مجمع مكة لطب العيون كنت من اوائل المتحولين معه …لسبب بسيط لانه لم يحوجني للذهاب لغيره… فهو متطور بتطور طب العيون العالمي ..فقد بدأت معه بنظارة القراءة ثم نظارة أخرى للنظر البعيد ..ثم جمعتا في نظارة واحدة ..(باى فوكال)… واخيرا (الملتي فوكال) …وهذة كانت آخر نظارة اقتنيتها من مستشفى مكة في أواخر عام 2022 …أي قبل الحرب بعدة أشهر
(٢)
امضيت سنتي الحرب الأوائل بكل اهوالها في الجزيرة… وبعد تحرير الجزيرة ذهبت لبورتسودان بنية السفر للخارج…. وقد كنت منهوك القوى مهزوز النفس.. مكسور الخاطر جراء الرعب والقهر والعذاب الذي كنا نعيش فيه …قبل القيام باي إجراء كان حتاما على مراجعة النظر الذي تدهور مع بقية القوى الجسمانية الأخرى ….فذهبت إلى مستشفى مكة هناك وما ان دخلته حتى بدأت ملامح ما قبل الحرب تعود للذاكرة ..نفس الكثافة البشرية من طالبي الخدمة …نفس نشاط العاملين …نفس حسن المعاملة ..نفس النظافة …دخلت على الطبيب فشغل بطارياته ارفع راسك ..افتح …غمض..عاين قدامك ..ثم سالني ان كان في تاريخ الأسرة جلكوما فاجبت بالايجاب ..ثم قال لي مسافر متين ..فقلت له احتمال بعد اسبوعين ..فقال لي اديك قطرة وارجع لينا بعد اسبوع ..فقلت له خير ان شاء الله …فكررها لازم ترجع لينا قبلما ما تسافر…فيما بعد رجحت ان الرجل ربما وجد الامر ليس على مايرام ولكنه لم يرجعه للعيون في ذاتها …لاسيما وانني كنت قد دخلت عليه بعد نوبة بكاء قوية مع قريبي علي ابراهيم … الذي التقيته قبل الدخول على الدكتور ..علي وانا افترقنا في قريتنا أثناء الحرب ..فقد خرج متسللا لان المدير استدعاه …وكنت ثاني اثنين من الذين يعلمون بخروجه …فقد كان خروجه مجازفة كبيرة مثلما كان بقاؤنا في القرية مجازفة اكبر … كان الموت يحيط بنا من كل جانب ..كان كل من تفارقه يومها تحس بأنك لن تلتقيه في هذة الدنيا مرة أخرى .. ..فعندما التقينا بمكة بورتسودان لم نتمالك أنفسنا فإنهرنا انهيارا كاملا …
عدت بعد اسبوع لمقابلة الطبيب فما ان قام بعملية الكشف حتى خرجت منه عبارة (الحمد لله ) …ياخي حمد لله على السلامة …العيون بحالة طيبة شوية موية بيضاء ولم تتجمع كويس …بس واصل في قطرة المرطب وان شاء بعدما ترجع بالسلامة ممكن تعمل العملية …
(٣)
ذهبت للسعودية وكنت صارفا النظر عن موضوع العيون مكتفيا بما قالته لي مكة بورتسودان …وتحت الحاح (الجماعة ) هناك تم عرضي على اختصاصي عيون هندي مشهور …فكانت نفس نتيجة مكة بورتسودان…ثم كشف نظر لتغيير النظارة فكان نفس الشي …ذهبت لمصر ..وبرضو تحت الحاح الجماعة ..ويازول انت في مصر ودي فرصة ما بتتلقي تاني ..فكان الطبيب المشهور الذي لايتم الحجز عنده ..الا ببلصة تحت التربيزة…فكانت نفس تشخيص مكة بورتسودان …كل الذي فعلته في القاهرة كان تغيير إطار النظارة ( الفيرم) الذي انكسر نتيجة سقوطي بعد اصطدامي بتلتوار في سوق العتبة ..أما النظارة فكانت نفس نظارة مكة الخرطوم …فغنيت مع وردي مع شوية تحوير (رحلت وجيت في بعدك لقيت كل النظارات مكة )
بعد العودة للبلاد في مايو الماضي… ومن ثم التردد بين الجزيرة والخرطوم …كنت ومازلت مشغولا بمراقبة وتيرة العودة للبلاد عامة وللخرطوم خاصة ..فالعودة كما أراها امر ذاتي يخص الأسر كل على حسب ظروفها …واي محاولات تسييس لها امر يخص سودان الاسافير السياسي السوداني …ولا صلة له بسودان الواقع …
لما جانا الخبر (شايلو النسيم ) بأن مستشفى مكة بالخرطوم قد رجع للخدمة هفت نفسي اليه …وقد يسر الله ذلك الأمر في يوم الخميس الماضي ….شارع الستين أصبح شارع تجاري ..ولما دلفنا منه الي شارع مكة الذي يربط الستين بعبيد ختم …وجدنا حركة العربات قد ازدادت ..والمحل التجارية بدأت تفتح ..امام مستشفى مكة تكدست العربات ..وداخل المستشفى مكتظ بطالبي الخدمة …آثار التجديد والصيانة أوضح ماتكون…خلية النحل بدأت في الدندنة … قمت بعملية المراجعة فقابلت دكتور الفاتح فضل وبالمناسبة هو نفسه الذي قابلته ببورتسودان فكانت النتيجة ان الموية قد تجمعت والليزر جاهز لها … …
قيل لنا شايفين الزحمة دي والحال ان المستشفى بعمل بربع طاقته …وسوف يعمل بطاقته القصوى في مطلع العام القادم …فالان كل العمليات الكبرى لسكان العاصمة في مكة ام درمان …..ومثلما عادت مكة ام درمان أقوى مما كانت فسوف تعود مكة الخرطوم أقوى مما كانت …كل الشواهد التي رايناها تدل على ذلك …طيب يا جماعة الخير إذا كانت مكة الخرطوم قد عادت الي العمل بنسبة ٢٥٪ فأعادت الحياة للمنطقة التي حولها بنسبة ٧٥٪..فماذا سيحدث لتلك المنطقة وذلك الشارع .. عندما تعود مكة الخرطوم للعمل بنسبة ١٠٠٪…للذين يريدون للخرطوم ان تعود أقوى مما كانت … انصحهم بزيارة مستشفى مكة بالخرطوم ليروا إمكانية حدوث ذلك بأنفسهم …
(٤)
وبعد عزيزي القاري ما ذكرته أعلاه هي قصتي الخاصة جدا مع مستشفيات مكة بالسودان …وقد حاولت فيها تحويل الذاتي لموضوعي ليعلم الناس ان في هذا السودان المتراجع شي يسير للإمام… وليعلم الناس انه من نار الحرب يمكن أن يخرج زاد متقن الطهو …اما اذا اراد الناس ان يعرفوا حقيقة هذا المارد الطبي الذي أصبحت له عشرة مستشفيات ضخمة في مدن السودان المختلفة… وله أكاديمية في طب العيون ملات الدنيا اختصاصين في طبابة العيون… واقام مخيمات للعيون في الداخل والخارج تحسب بالمئات…وبمناسبة المخيمات هذة نقول انها هي التي قضت على طب العيون التقليدي في السودان (التشليق) …لقد جعلت الطب هو الذي يسعى للمواطن ….واخرج من عيون الشعب السوداني نهران اخران واحد للموية البيضاء واخر للموية السوداء … و( فوق البيعة) سمكر شبكيات وقرنيات ما ان حمولته لتنؤ بها العصبة … ووزع من النظارات ما يسد عين الشمس …من أراد كل هذا وغيره من إنجازات في مجال طبابة العيون … عليه ان يجلس مع الدكتور العاص احمد كامل…. المدير الإقليمي لمؤسسة البصر الخيرية العالمية (السودان) …. فهو الاب الروحي والام الواقعية لكل هذة الفتوحات ..أو بالأحرى يطلب من العاص ان يلخص مسيرته مع هذة المؤسسة ….ليس تباهيا أو فخرا… أو حتى تحدثا بنعمة الله مع ان هذة الأخيرة مطلوبة …بل لكي يعلم أن الناس… ان عونا خارجيا بسيطا …بالاخلاص للفكرة والتفاني فيها .. يمكن أن يكبر ويتنامى ويتعملق… فيخدم الملايين بدلا من الاحاد أو العشرات …ان قصة نجاح مستشفيات مكة لطب العيون في السودان تقول لنا ان في هذا السودان شي جميل… فتزرع بذلك الجمال في النفوس التي كادت الا ترى في الوجود شيئا جميلا …

موقع المنبر
Logo