هيثم كابو يكتب: لماذا منى زكي ؟

* الإجادة ليست هي الصفة الوحيدة التي تميزها، فما لا يعرفه عنها إلا المنصفون من المدققين في التجارب والأقوال والمواقف، أنها تمثل خلطة سحرية لثلاثية (النُبل، والتواضع، والطموح).
* إن كان النُبل يمثل سمو الأخلاق، وقلقك على الآخرين، وحرصك عليهم، فهي للعلم كانت نبيلة بما يكفي عندما قالت بصدق تعكسه نبرات الصوت المليئة بدموع الأسى: إن الهجوم على فيلمها الأخير “الست” الذي جسّدت فيه دور “كوكب الشرق” أم كلثوم لم يؤلمها في شخصها، بل لشعورها أنها آذت من كان معها من طاقم الفيلم، لتضيف- والغصة تقف في حلقها كنصل سكين حاد: “حسيت أني آذيت ناس أكبر مني”.
* أول انطباع خرجت به عندما أجريت معها حوارًا صحافيًا مطولًا قبل سنوات طويلة، إبان عرض مسرحية “كده أوكي” أنها فنانة معجونة بالتواضع، وظننت أن هذه الصفة ربما لا ترافقها في سنوات المشوار الممتدة، فالأعمال تتزايد، والاسم يكبر، والجماهيرية تتضاعف، ولكن المفاجأة أن “تناسبًا طرديًا” ربط بينها والتواضع، فكلما زاد بريق اسمها وسطع نجمها، كلما ابتعدت عن التعالي الزائف، وخاصمت التكبر، وزاد تواضعها، وذاك أمر يلحظه كل من يسمعها تتحدث عن تجربتها، فإذا كنت لا تعرفها، ولم تشاهد روعة أعمالها، يُخيل لك أنها ممثلة مبتدئة في أول المشوار، في الوقت الذي تتضخم فيه “الأنا” عند فنانات لا رصيد لهن سوى ملاحقة الترند، وبعض أعمال باهتة سريعًا ما يلفها النسيان، وأدوار متواضعة سريعة الذوبان.
* لا شك مطلقًا أنها كتلة من طموح، فهي دائمًا تتطلع للتغيير وتحقيق أهداف بعيدة، ولديها رغبة كبيرة في التجريب، وتقديم أشكال مختلفة، وأنماط متعددة، وأدوار متباينة.
* نعم، هناك عشرات الممثلات اللائي يقفن أمام الكاميرا يوميًا، ولكن قلة من المسكونات بعمق الموهبة، وروح التقمص، وبراعة التجسيد ممن تقف الكاميرا أمامهن، فالممثلة المصرية منى زكي تمتلك “الكاريزما” الطاغية؛ فإذا كان الممثل التقليدي يتحرك ويجتهد؛ لكي تلتقطه عدسة المصور، فإن الممثل العبقري يجذب إليه الكاميرا، ويدفعها دفعًا للتحرك حوله؛ بغية استكشاف تعابيره، والتقاط انفعالاته؛ لما يملكه من ثبات وبراعة وحضور.
* في ليلة افتتاح الدورة التاسعة لمهرجان الجونة السينمائي، والبحر الأحمر يلمع خلف المسرح كمرآة سوداء، صعدت منى زكي لتتسلم جائزة “الإنجاز الإبداعي” عن جدارة واستحقاق بعد مشوار مختلف، يشار إليه ببنان التميز والاختلاف.
* لو أردت أن تفهم مشوار منى زكي، لا تعد أفلامها، بل عد النساء اللواتي سكنّها، فهذه الشابة التي بدأت مع محمد صبحي في سن مبكرة، وانطلقت كفراشة خفيفة في “صعيدي في الجامعة الأمريكية”، ومضت تتقافز نحو “الحب الأول”، وامتلكت قدرة على التأثير المبكر، فعندما تضحك تجعل جيلًا كاملًا يضحك معها؛ فاعتقد الكل أنها ستظل أسيرة خفة الظل وحلاوة الروح، ولن تفارق مربع الأعمال التي أجادتها، لكنها ويا لدهاء التجربة “ملت فجأة من نفسها بسهولة” تلك العبارة الموحية التي قالتها لمجلة “Variety” بصراحة نادرة، فمثل هذه العبارات “المفتاحية” تصلح لتكون منهجًا للتنوع الجميل في مدارس التمثيل.
* الملل عند منى زكي ليس ترفًا، بل هو المحرك العبقري الذي دفعها من أحضان الكوميديا الآمنة إلى قلب العاصفة، لتبحث عن روح التجديد في الأدوار، وتقاوم التيار بقوة وهي تدخل عين الإعصار.
* صراعها مع الشخصيات ممتد من “جيهان” في “أيام السادات” إلى “سهر الليالي” حيث اكتشف الناس وجه الحزن الجميل، إلى “عن العشق والهوى”، وصولًا إلى “احكي يا شهرزاد” حيث خلعت عنها جلد النجمة، ولبست رداء امرأة تُنتهك كل ليلة وتعود لتروي القصص والحكايات.
* تكريم الجونة لمنى زكي هو في حقيقته تكريم لفكرة أن الفن ليس أن يسمع الناس صوتك فقط، بل أن يصبح لمشاعرك صوت يُعمِّق الوجود، ويعبر المدى، ويثير التساؤلات، ويترك الأثر والصدى.
نفس أخير..
* من عرف أن المستحيل وهم، بلغ المجد وحقق الحلم.

موقع المنبر
Logo